أين الحد؟

الحياة والموت في المناطق مقيّدة الوصول في غزة

التالى
جزء 1
مقدّمة
مقدّمة

على العكس من الوهم السائد في إسرائيل منذ تطبيق خطة “فك الارتباط” أحادية الجانب في صيف العام 2005، والذي مفاده بأن التواجد الإسرائيلي في أراضي القطاع قد أزيل، فإن إسرائيل تمارس سيطرةً متواصلةً على غالبية نواحي الحياة في غزّة. ورغم أن إسرائيل تدّعي بأن سيطرتها الفعلية على ما يحدث في قطاع غزّة قد انقضت عند انسحاب قواتها من أراضي القطاع، إلا أنها تقوم عمليًّا خلال كل تلك السنوات بإدارة مناطق داخل غزّة، على طول السياج الفاصل، وفي الحيّز البحريّ التابع للقطاع، حيث تفرض تقييدات على التنقل فيها أو تمنعه. وتقوم إسرائيل بالرد على ما تعتبره خروقاتٍ للتقييدات التي تفرضها على التنقل في هذه المناطق باستخدام القوّة، يشمل إطلاق الرصاص الحيّ، الأمر الذي يؤدي في الكثير من الحالات إلى مقتل وإصابة فلسطينيين من سكان القطاع.

إن سيطرة إسرائيل على المناطق البريّة والبحريّة في غزّة تلحق أيضًا أضرارًا جسيمةً باقتصاد القطاع. فقطاع صيد الأسماك يعتبر واحدًا من القطاعات الاقتصاديّة الهامة بالنسبة لسكان المناطق الساحليّة، وقد شكل هذا القطاع مصدر رزق لآلاف العائلات في غزة بالماضي. أما الأراضي القريبة من السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل، فهي خصبةٌ ومناسبةٌ للزراعة، وفي غزّة التي تعد واحدة من الأماكن الأكثر اكتظاظًا في العالم، فإن كل دونم غير مستغل للسكن، وبالإمكان تخصيصه للزراعة، يعتبر حيويًّا. وتلحق التقييدات التي تفرضها إسرائيل في هذه المناطق، أضرارا خاصة بالنساء العاملات في مجال صيد الأسماك، الزراعة، ورعاية المواشي. وقد أدت التقييدات، إلى إقصاء النساء من قطاعات عمل كاملة: قبل فرض الإغلاق، كانت نسبة النّساء العاملات في الزراعة وصيد الأسماك تساوي نحو 36%. وفي أعقاب التقييدات التي تفرضها إسرائيل والتي تمس بالقطاعات الاقتصاديّة المختلفة، انخفضت مشاركة النّساء بشكلٍ حادٍّ إلى أقل من 4%.

بين الأعوام 2010 – 2017، قبل اندلاع المظاهرات الاحتجاجيّة الأخيرة في يوم الأرض، 30 آذار 2018، تمّ تسجيل نحو 1,300 حالة إطلاق نار قرب السياج باتجاه مزارعين، رعاة مواشي، جامعي النفايات المعدنيّة، وسكان آخرين، وقد أدت هذه الحالات إلى مقتل ما لا يقلّ عن 161 فلسطينيًا وجرح ما يزيد عن 3,000 آخرين. على مدار أيام السنة، تتأثّر حياة الكثيرين بشكلٍ مباشرٍ من التقييدات المفروضة على الحركة والتنقل في منطقة السياج، التي تعتبرها إسرائيل منطقة عازلة. وخلال السنوات الماضية، وفي أعقاب طلباتٍ قدمتها جمعية “ﭼيشاه – مسلك” بموجب قانون حريّة المعلومات، أعلن الجيش الإسرائيلي بشكلٍ رسميّ عن المسافات من السياج التي يسمح للمزارعين ولسكان آخرين بالوصول إليها. ولكن، ووفقًا محادثات أجريناها مع مزارعين، ظهر بشكلٍ واضحٍ بأن سكان القطاع الذين يتواجدون في هذه المنطقة بشكل يومي، من مزارعين ورعاة مواشي وسكانٍ آخرين، لا يزالون يفتقرون للمعلومات المؤكدة بخصوص الحيثيات التي تعرضهم للخطر.

في أعقاب الخراب والدمار الناجمان عن العملية العسكرية الكثيفة في صيف 2014، غيرت إسرائيل، ظاهريًّا، بضعة مبادئ من نظام التصاريح، وقد اعترفت رسميًّا بالحاجة إلى المساهمة في إعادة إعمار غزّة واقتصادها. ويشكل السعي من أجل تحسين الأوضاع الاقتصاديّة في غزة أيضًا الإطار الذي يختاره منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق لعرض قراره بإضافة ثلاثة أميال بحريّة، لفترة محدودة، إلى الأميال البحريّة الستة التي يسمح سلاح البحريّة الإسرائيليّة بشكل اعتيادي لصيادي غزة بالابتعاد عن المرسى. ورغم ذلك، فإن العنف الممارس من قبل سلاح البحريّة الإسرائيلي، بالإضافة إلى التقييدات الأخرى على صيادي الأسماك، قد حولت الصيد إلى مهنة خطرة. هذا عدا عن أن مصر أيضًا تقوم بفرض النظام على حدودها البحرية بعنف ملموس.

احدى الممارسات التي تستخدم بشكل متصاعد أيضًا منذ العام 2014، هي رش مبيدات أعشاب على امتداد السياج، الأمر الذي يسبب أضرارًا كبيرةً للمحاصيل ويلحق خسائر ماديّة فادحة بالمزارعين. حيث تقوم إسرائيل باستئجار خدمات طائرات تحلّق وترش المبيدات، حسب ادعائها، فوق السياج فقط، بيد أن أضرار هذه العمليات تكون ملموسة على بعد مئات الأمتار في عمق القطاع. كما أن وجود الأجهزة الأمنيّة التابعة للحكومة التنفيذيّة في غزّة، التابعة لحماس، يزيد من المخاطر التي تهدد المدنيين الساعين إلى كسب رزقهم بالقرب من السياج.

مزارعون في حقولهم المُتاخمة للسياج العازل، كانون الثاني، 2017. تصوير: جمعية “چيشاه-مسلك”
محاصيل تضررت نتيجة رش المبيدات من قبل الجيش الإسرائيلي، كانون ثاني 2018. تصوير: “ﭼيشاه – مسلك”

كثيرًا ما يتمّ تبرير التقييدات المفروضة على الحركة والتنقل في كل من المنطقة العازلة ومنطقة الصيد، باعتبارها استجابة لاحتياجاتٍ أمنيّة. هنالك بالطبع نشاط لمسلحين فلسطينيين في المنطقة العازلة، كما سادت أيضًا فترات طويلة من النزاع النشط، وقد شملت إطلاق النار من قطاع غزّة تجاه التجمعات السكانيّة الإسرائيليّة. ومع كل ما تقدّم، فإن هذه الادعاءات والاحتياجات لا يمكن أن تبرر هذا الضرر المدمّر وغير التناسبي الذي يلحقه الجيش الإسرائيلي بالسكان المدنيين في قطاع غزّة.

علاوة على ذلك، فإن ما يحدث في الكثير من الأحيان لا يكون نتاجًا لاحتياجاتٍ أمنيّةٍ واضحةٍ، بل نتاجًا لمصالح إسرائيليّة أخرى. فإسرائيل تقوم منذ سنوات بفرض تقييدات على المجال البحريّ في غزة، إلا أنها قد شرعت، لدى سيطرة حماس على القطاع في العام 2007، بفرض هذه التقييدات باعتبارها جزءًا من سياسةٍ معلنةٍ من الحرب الاقتصاديّة ضد القطاع. فعلى سبيل المثال، تقوم إسرائيل في بعض الأحيان بتوسيع منطقة الصيد في إطار “إعلان حسن نوايا” مؤقت، بينما تقوم في أحيانٍ أخرى بمعاقبة سكّان القطاع عبر قيامها بتقليص هذا المجال. إن هذه التصرفات تشير إلى أن التقييدات الشاملة وغير الموضوعيّة، المفروضة على الحركة والتنقل، يجري تطبيقها ويتم فرضها بشكل روتينيٍّ بناء على مصالح سياسيّة صرفة.

يأتي إصدار هذا التقرير بعد مرور خمسة أعوام على نشر “ﭼيشاه – مسلك” لورقة الموقف الصادرة تحت عنوان “ضباب خلف الجدار“، حيث قمنا آنذاك بإطلاق صرخة تحذيريّة ضد أوامر إطلاق النار في المنطقة المحاذية للسياج، وضد انعدام الوضوح حول أسباب إطلاق النار في هذه المنطقة. وللأسف الشديد، ورغم أن الزمن الذي مرّ منذ ذلك الحين قد أثبت بأن فرض التقييدات، على ما ينطوي عليها من أثمان باهظة، ليس فقط أنه لم يكن مجدٍ في تحصيل أهداف سياسيّة أو أمنيّة لإسرائيل، بل أنه مستمر حتى اليوم ويتسبب في قتل وإصابة الكثير من الفلسطينيين. بل إن هذه التقييدات المفروضة تمنع أيضًا تحقيق نمو اقتصاديّ وتربك روتين الحياة اليوميّ. إن هدف هذا التقرير هو استعراض صورة راهنة لإسقاطات السيطرة الإسرائيليّة على المناطق العازلة ومناطق الصيد في غزّة. وفي نهايته نطالب إسرائيل بالكف عن ممارساتها الخطرة، التي تنتهك حقوق الفلسطينيين، من ضمنها الحق بكسب الرزق والأمن الشخصي.

جزء 2
آلية البحث
مض
آلية البحث
مزروعات في المنطقة العازلة، مشهد الجدار من داخل القطاع. تشرين ثاني 2016. تصوير: "ﭼيشاه – مسلك"
مزروعات في المنطقة العازلة، مشهد الجدار من داخل القطاع. تشرين ثاني 2016. تصوير: “ﭼيشاه – مسلك”

لغرض إجراء هذا البحث، قام الباحث الميداني في جمعية “ﭼيشاه – مسلك” بزيارة أربعة مواقع مختلفة على امتداد المنطقة العازلة داخل القطاع، وأجرى مقابلات معمّقة مع مزارعين يعملون في المنطقة. وإلى جانب ذلك، عقدنا مجموعتين بؤريتين مع نساء عاملات في مجال الزراعة ورعاية المواشي في المنطقة العازلة، بالقرب من رفح ودير البلح، وذلك بمساعدة جمعيات توفر مساعدات ودعم لهؤلاء النساء من ضمنهم منظمة الاغاثة الاولية الدولية “PUI”. أما المعلومات المرتبطة بالأضرار الناجمة عن عمليات رش المحاصيل، فقد حصلنا عليها بشكل رسمي من وزارة الزراعة في قطاع غزّة، وهي الجهة المسؤولة عن توثيق وتقدير الأضرار. الطلبات المرتكزة إلى قانون حرية المعلومات التي تقدمنا بها، بخصوص عمليات الرش وبخصوص ممارسات سلاح البحرية الإسرائيلي في المجال البحري التابع لقطاع غزة، أجبرت السلطات الإسرائيلية على الكشف عن معلومات لم يتم نشرها من قبل. أما الأرقام المتعلقة بعمليات التوغل، إطلاق النار، عمليات الاعتقال والأضرار التي تسببت بها قوات الجيش، فقد حصلنا عليها من مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزّة، الذي يقوم بتوثيق ونشر هذه المعطيات بشكل دائم.

كما قمنا باختبار جميع المعلومات الواردة، في ضوء المعلومات والمعرفة واسعة النطاق في هذه المجالات، التي تقوم جمعية “ﭽيشاه -مسلك” بتركيزها منذ سنوات. أما استعراض الخلفية التاريخية لتطور المنطقة العازلة فهو يرتكز إلى أبحاث أجريناها تحضيرًا لتقارير سابقة لجمعية “ﭼيشاه -مسلك”، وتقارير صادرة عن مؤسسات محلية ودولية عاملة في القطاع.

جزء 3
المنطقة العازلة
المنطقة العازلة

منذ سنوات تقوم إسرائيل بفرض منطقة، داخل قطاع غزة، على امتداد السياج الفاصل بينها وبين قطاع غزّة، وتطلق عليها اسم “المنطقة العازلة”. التقييدات الصارمة التي تفرضها إسرائيل على التنقل في هذه المنطقة، تسفر عن مقتل وإصابة الكثيرين، من ضمنهم مزارعين الذين يحاولون الوصول إلى أراضيهم، وكذلك إلى تدمير أراض زراعية وممتلكات. لقد أسفرت المحاولات التي قامت بها جمعية ” ﭼيشاه – مسلك” على مدار سنوات للحصول على معلومات دقيقة حول مدى عرض المنطقة يمنع فلاحتها أو التنقل داخلها، أو الحصول على معلومات حول آلية تنسيق دخول المزارعين إلى أراضيهم الواقعة في المنطقة، عن إجابات متناقضة. فبحسب الإجابة الأخيرة التي تلقيناها، تبلغ المسافة القصوى التي يسمح لسكان قطاع غزّة بالاقتراب منها 300 متر من السياج. بينما يسمح للمزارعين بالاقتراب حتى 100 متر من السياج.

في اتفاقيات أوسلو، 1993، تمت الإشارة إلى إقامة منطقة عازلة بعرض 50 مترًا على امتداد حدود قطاع غزّة البالغ طولها 58 كيلومترًا. كما تطرقت اتفاقية غزّة وأريحا في العام 1994، إلى آلية خاصة تحكم وصول الفلسطينيين إلى هذه المناطق. لقد حددت هذه الاتفاقية مسألة إقامة “حزام أمني” بعرض 1,000 متر من الجانب الغزّي للخط الأخضر، كان من المفترض أن تقوم الشرطة الفلسطينية بفرض “إجراءات أمنية خاصة” داخله، لكي تمنع دخول الأشخاص إلى إسرائيل، ولوقف إدخال الذخائر إلى المنطقة من دون تنسيق مسبق مع الجيش الإسرائيلي. وقد تم تطبيق هذه الاشتراطات والاتفاقات حول المنطقة العازلة بشكل جزئي فقط قبل اندلاع الانتفاضة الثانية، في أيلول 2000. ومنذ ذلك الحين،  مع مرور الوقت، قام الجيش الإسرائيلي، بتجريف المنطقة التي تمتد على مسافة 150 مترًا عن الجدار، وبات هذا الحيّز يعتبر منذ ذلك الحين، في نظر المجتمع الدولي وفي نظر الفلسطينيين أنفسهم منطقة عازلة ينطوي الدخول إليها على الكثير من المخاطر.

عشية اتمام تطبيق خطة “فك الارتباط”، في أيلول 2005، أعلن الجيش الإسرائيلي بأن على سكان غزّة الحفاظ على مسافة تبلغ على الأقل 150 مترًا عن السياج الفاصل، وحتى تشرين ثان 2008، تم بشكل عملي تطبيق تقييدات على الوصول في غالبية المناطق على مسافة تبلغ حتى 300 مترًا من السياج الفاصل. في ذلك الشهر، وفي أعقاب انهيار “اتفاقية التهدئة” بين إسرائيل وحماس، شرع الجيش الإسرائيلي بتوسعة المنطقة مقيدة الوصول إلى حد تراوح ما بين 1,000 حتى 1,500 مترًا (نحو17% من مجموع أراضي القطاع؛ و 35% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة). عمليات الجيش الإسرائيلي في عمق أراضي القطاع أدت خلال خلال السنوات الماضية إلى خسارة أشجار زيتون، لوزيات وحمضيات، إلى إبادة كروم عنب، تخريب دفيئات زراعية، ولتخريب حقول قمح وشعير.

تصوير: جمعية “چيشاه-مسلك”
ميناء غزة. تصوير: “ﭼيشاه – مسلك”

اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بعد عملية “عامود السحاب” في تشرين ثان 2012، يقر بأنه بإمكان السكان الوصول إلى بعد 100 متر من السياج. وعلى عكس ذلك، في شباط 2013 أعلن الجيش الإسرائيلي أنه “يتوجب على سكان قطاع غزة عدم الاقتراب لمسافة تقل عن 300 مترًا من الجدار الأمني”، في حين لم يقم بالإشارة إلى أية تسهيلات خاصة بالمزارعين. وفي آب 2015، حصلنا على رد من الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي يصادق فيه على أن المسافة الأقرب للسياج التي يُسمح لسكان قطاع غزّة بالوصول إليها هي على بعد 300 متر منه. ويسمح للمزارعين فقط الاقتراب أكثر من ذلك، حتى مسافة 100 متر من السياج، سيرًا على الأقدام فقط.

بعد عملية “الجرف الصامد” العسكرية في صيف عام 2014، قامت حماس بشق طريق على امتداد المنطقة المحاذية للسياج، على بعد نحو 300 متر، المعروف باسم “شارع جكر”. هذا الشارع مخصص للمدنيين أيضًا، ومن ضمنهم المزارعين سكان المنطقة، إلا أن عناصر “الضبط الميداني” التابعين لحماس ينتشرون على امتداد هذا الشارع أيضًا. لقد أدى شق هذا الشارع إلى موجة من الانتقادات الفلسطينية الداخلية، حيث اعتبر المنتقدون بأن حماس، عبر قيامها بشق الشارع، تعترف بالمنطقة العازلة التي فرضتها إسرائيل.

في حزيران 2013، قمنا بنشر ورقة موقف حول المنطقة العازلة، تهدف إلى تشخيص الحالة بعد وقف إطلاق النار الذي أنهى جولة القتال التي اندلعت قبل ذلك بعام واحد. وقد أشرنا في ورقة الموقف تلك أن الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي يدعي بأنه يتم إبلاغ سكان غزّة حول فرض التقييدات على الحركة والتنقل بواسطة مناشير، وقد رددنا بأنه ما من معلومات لدينا حول توزيع مناشير في المنطقة منذ وقف إطلاق النار. كما أعلن الناطق بلسان الجيش بأن تحديثات حول أوامر منع الدخول إلى مسافة تقل عن 300 متر، يتم إيصالها للسكان عبر “جهات التنسيق والارتباط”. عام 2015، اعترف منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق، ردًا على طلب حرية معلومات قدمته جمعية “ﭼيشاه – مسلك” بأنه ليس هنالك “جهاز تنسيق وارتباط”.

المناطق مقيدة الوصول بالأرقام
58
كيلومتر
طول السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل
20
ميلاً بحريًا
البعد من شواطئ غزة الذي التزمت إسرائيل بالسماح للصيادين بالوصول إليه، لكنها لم تنفذ هذا الاتفاق أبدًا
100
متر
البعد من السياج، داخل القطاع، الخط الذي يحدده الجيش الإسرائيلي ولا يسمح للفلسطينيين بتجاوزه
297
حادثة
التي شهدت إطلاق نار من قبل الجيش الإسرائيلي تجاه فلسطينيين في المنطقة المحاذية للسياج خلال 2017
8,200
دونم
مساحة المراعي التي تضررت نتيجة رش المبيدات الإسرائيلية خلال النصف الأول من العام 2018

 

جزء 4
خطر، أمامك سياج
خطر، أمامك سياج

يتضح من المقابلات التي أجريناها مع مزارعين يسكنون ويعملون في المنطقة المحاذية للسياج، بدءا من شمال القطاع ووصولاً إلى جنوبه، أنهم يفرقون بين ثلاث مناطق، من حيث مستوى الخطر فيها، وذلك بحسب بعدها عن السياج. وهي تنقسم كالتالي: المنطقة التي تبعد أقل من 100 متر من السياج، المنطقة التي تبعد ما بين 100 حتى 300 متر من السياج، والمنطقة الواقعة ما بين 300 متر وصولاً إلى كيلومتر واحد عن السياج.

100-0 متر عن السياج

ويتضح من تلك المقابلات بأن المنطقة الواقعة ضمن 100 متر غربي السياج تمثّل منطقة يحظر الدخول إليها. ويمنع القيام بزراعة أي نوع من المحاصيل هنالك، رغم أن هذه الأراضي مملوكة لسكان من غزّة. وتشهد هذه المنطقة توغلات متكررة من قبل الجيش الإسرائيلي، تشمل استخدام جرافات وآليات عسكرية ثقيلة، التي تدخل إلى المنطقة بهدف تجريف النباتات وتسوية الأرض.

يصل رعاة الاغنام في المنطقة العازلة إلى مسافة نحو 100 متر من السياج؛ وقد تقترب المواشي إلى الجدار أكثر من ذلك. ويقوم الجيش بالرد على ذلك في بعض الأحيان عبر إطلاق العيارات التحذيرية، وهي عيارات تسببت في أكثر من مرة في إصابة الرعاة أو قطعانهم. وليس من الواضح للرعاة متى يسمح الجيش بوجود القطعان في تلك المنطقة ومتى يمنع ذلك.

أم إسماعيل ترعى أغنامها في المنطقة العازلة، حزيران 2018. تصوير: "ﭼيشاه – مسلك"
أم إسماعيل ترعى أغنامها في المنطقة العازلة، حزيران 2018. تصوير: “ﭼيشاه – مسلك”

300-100 متر عن السياج

إن استصلاح وفلاحة الأراضي وزراعتها يبدآن، بشكل مقلّص ومحدود جدًا، من مسافة 100 متر من السياج فقط. هذا الأمر يتلاءم مع الإعلان الأخير الصادر عن الجيش الإسرائيلي بأن الدخول إلى هذه المنطقة يسمح للمزارعين ورعاة المواشي فقط. ويشير المزارعون إلى أن الجيش الإسرائيلي، بحسب رأيهم، يعرفهم وقادر على تشخيصهم، رغم عدم وجود اتصال مباشر بينهم. في هذا الحيز من الأرض تجري نشاطات زراعية محدودة، وهي تتشكل بالأساس من زراعة الورقيات التي لا ترتفع كثيرًا عن الأرض، كالسبانخ، الخس، الفجل، الملفوف، البقدونس، البازلاء، الكرنب، والكوسا، الفلفل والباذنجان، إلى جانب القمح والشعير. الحكومة في غزة قامت بشق شارع جكر على بعد 300 متر من السياج أيضا بهدف وضع علامة لتحديد المنطقة.

في ظل غياب معلومات واضحة ورسمية، استنتج المزارعون أنه يحظر عليهم مثلاً زراعة الذرة في تلك المنطقة، بسبب ارتفاع النبتة. وقد حدّثنا مزارع من منطقة جحر الديك أن الجيش الإسرائيلي قام في شهر آب 2011 بتجريف خمسة دونمات من أراضيه المزروعة بالذرة، بادعاء إطلاق النار من داخل الحقل. كما يمتنع المزارعون عن زراعة البندورة في هذه المنطقة، حيث يعدّ الاعتناء بها باهظ الكلفة، وهنالك خشية من خسارة المحصول بسبب أعمال الجيش العدائية، إما عبر تجريف الأرض أو عبر رشها بالمبيدات، وذلك رغم أن نسبة الربح المتوقعة من محصول البندورة كبير نسبيًا. وبحسب وزارة الزراعة في غزّة، فإن زراعة دونم واحد بالبندورة تكلف نحو 5,000 شيكل، والربح المتوقع من محصوله يبلغ نحو ألفي شيكل. وبالمقابل تبلغ تكلفة زراعة دونم واحد بالسبانخ، نحو الف وخمسمائة شيكل ، والربح المرتقب من هذا الدونم يبلغ نحو ألف شيكل فحسب.

إحدى المزارعات، وهي أيضًا راعية مواشي، أفادت أنها تقوم بزراعة الذرة في هذه المنطقة، إلا أنها لا تدع النباتات تعلو كثيرًا. إذ أنها تقوم باقتلاع النباتات وهي صغيرة وتستخدمها كطعام للمواشي. لا تسمح هذه السيدة لأولادها بالاقتراب لمسافة تقل عن 300 مترا من الجدار، وهي تذهب إلى تلك المنطقة بنفسها، لاعتقادها أن الجنود يعرفونها ولن يقوموا بإطلاق النار عليها. تقوم السيدة باقتلاع شتلات الذرة البالغة نسبيًا، وبقطف المحاصيل الأخرى، ومن ثم تنقلها للأبناء الذين ينتظرونها على خط الثلاثمائة متر، وذلك لكي يقوموا هم بنقل المحصول إلى المنزل.

منذ العام 2015، قامت جهات مختلفة وعلى رأسها الصليب الأحمر، بالمساعدة في إعادة تأهيل الأراضي والبنى التحتية الزراعية على امتداد السياج، وعلى بعد 100 – 300 مترا منه. كما قام الصليب الأحمر بتزويد المزارعين بتقاوي وأسمدة، ومعدات خاصة بالبنى التحتية، لكي يتمكنوا من زراعة تلك الأراضي من جديد. لقد عزز حضور موظفي الصليب الأحمر من شعور المزارعين بالأمان. وعبر التعاون بين الصليب الأحمر، والمزارعين، وهيئات الحكم المحلي في غزّة، تمت أيضًا إزالة مخلفات جولات القتال في هذه المناطق.

هنالك أمر آخر يعطّل تطور الزراعة في هذه المنطقة، وهو أن الكثيرين من المزارعين ليسوا مالكي الأرض، بل إنهم يقومون باستئجارها. هؤلاء المزارعين سيفضلون زراعة المحاصيل الموسمية، التي تنتج محاصيل أسرع، وأرباحًا فوريةً.

هذا وقد أشار المزارعون إلى انه عندما تجري في المنطقة نشاطات عسكرية، حتى لو كان ذلك عمليات صيانة أو تركيب كاميرات، يقوم الجيش بإطلاق النار بشكل تحذيري او مخاطبتهم عبر مكبرات صوت، بهدف إبعادهم من المكان. كذلك يحدث أيضًا عندما تؤدي الأحوال الجوية إلى تشويش الرؤيا، كحالات انتشار الضباب.

300 متر عن السياج

في الأراضي الواقعة على بعد 300 متر من السياج وأكثر، تسمح إسرائيل للمزارعين، بزراعة جميع أنواع الخضراوات والمحاصيل الزراعية. ومع ذلك، فإن توغلات الجيش في هذه المناطق في الماضي، تدمير البنى التحتية وتجريف البيارات والكروم، جعلت المزارعين وأصحاب الأراضي يترددون قبل الإقدام على زراعة الأشجار أو الاستثمار بمشاريع زراعية كبيرة. ونتيجة للأمر، فإن الدفيئات الزراعية الأقرب إلى السياج، تبعد عنه نحو 500 متر على الأقل.

على مدار السنوات، أدت عمليات التوغل التي ينفذها الجيش إلى تدمير واسع النطاق للمناطق الزراعية وللبنى التحتية الزراعية في المنطقة العازلة، على مسافات مختلفة من السياج. وقد استوجبت إعادة استصلاح وزراعة هذه الأراضي، إعادة تأهيل الأراضي والبنى التحتية، وهي أمور لم يبادر إليها المزارعون بسبب الكلفة العالية وبسبب الخشية من إطلاق النار من قبل الجيش أيضًا.

إطلاق النار وتوغلات الجيش 

يقوم الجيش الإسرائيلي بمراقبة منطقة السياج عبر عدة وسائل علنية – عبر تواجد الجنود في دوريات بالآليات العسكرية وفي مواقع بارزة ومحصنة، وعبر وسائل المراقبة عن بعد، بما يشمل كاميرات مراقبة ومجسات منتشرة على امتداد السياج، وعبر طائرات استطلاع وبالونات المراقبة – إلى جانب الوسائل المبطّنة. بالإضافة، يستخدم الجيش الأسلحة النارية التي يطلقها الجنود في المنطقة، أو عبر وسائل التحكم عن بعد. إن توغلات الجيش في أراضي القطاع، وإطلاق النار تجاه المزارعين، رعاة المواشي، المتظاهرين والسكان، هو أمر روتيني. وبحسب المعطيات التي حصلنا عليها من مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزّة، في العام 2017 نفذ الجيش الإسرائيلي 51 عملية توغل في أراضي القطاع، أي بمعدل مرة كل أسبوع. منذ العام 2010 حتى 2017 أدت عمليات إطلاق النار وتوغلات الجيش في المنطقة العازلة إلى مقتل 161 شخص، وإصابة 3,031 شخص واعتقال نحو 350 آخرين. إن نشاطات الجيش، بالإضافة إلى الخشية الدائمة من عمليات الرش، ومن عمليات التوغل الأكثر عمقًا، تُضاعف من “أثر التثبيط”، وتدفع الكثير من المزارعين إلى الامتناع عن فلاحة أراض قريبة من السياج، أو تدفعهم إلى اختيار محاصيل أقل كلفةً.

من خلال محادثات أجريناها مع سيدات يعملن في رعي المواشي، اتضح بأن المشكلة التي تواجهن أكبر، لأنهن لا يسيطرن بشكل كامل على المواشي أثناء تجوالها في مناطق الرعي. إذ أن المواشي تقترب من السياج، وتخاطر الراعيات بأنفسهن عند دخولهن المنطقة المحظورة لإخراج المواشي منها. وقد حدث أن أدى إطلاق النار تجاه القطعان التي تقترب من السياج في أكثر من حالة إلى إصابة وقتل المواشي، كما أنه يتسبب في بعض الأحيان في إصابة راعيات المواشي أنفسهنّ.

نجية الملالحة ترعى أغنامها في المنطقة العازلة، حزيران 2018. تصوير "ﭼيشاه – مسلك"
نجية الملالحة ترعى أغنامها في المنطقة العازلة، حزيران 2018. تصوير “ﭼيشاه – مسلك”

التقييدات التي تفرضها قوات الأمن الفلسطينية

تقوم قوات الأمن التابعة لحكومة حماس في غزّة بشكل ثابت بدوريات على امتداد شارع جكر، وتتوقف لفحص الأشخاص الذين يقتربون من السياج. وقد أظهرت المقابلات التي أجريناها، بشكل غير مؤكد، بأنه تم تداول إمكانية إصدار بطاقات للمزارعين المسموح لهم بالتواجد في المكان، ممن يعملون في المنطقة، بحيث يسمح لهم فقط دخول المنطقة. وقد أشار المزارعون إلى أن تواجد قوات الأمن ومواقع المراقبة، والنشاطات العلنية والسرية الفلسطينية، تفاقم من خشيتهم من قيام الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار أو التوغل في المنطقة.

رشّ المبيدات بواسطة الطائرات

في شهر كانون أول 2015، اعترف الجيش الإسرائيلي بأنه ينفذ عمليات رش مبيدات أعشاب بواسطة طائرات في المنطقة المحاذية للسياج بهدف تعرية الأرض. وبحسب شهادات المزارعين وتقارير الجمعيات المحلّية في القطاع، فإن عمليات الرش تجري منذ العام 2014. في آذار 2016 قدّمت جمعية “ﭼيشاه-مسلك” طلب إلى وزارة الأمن الإسرائيلية، بموجب قانون حرية المعلومات، يتضمن عدة أسئلة بخصوص عمليات الرش، من ضمنها: من يقرر موقع وتوقيت الرش، ما هو هدف عمليات الرش، ما هي مواعيد عمليات الرش السابقة، ماهية المادة التي يتم رشّها، كما شمل تساؤلاً حول ما إذا كان قد تم فحص إمكانية استخدام بدائل أقل خطورة لتحقيق هذه الأهداف. وقد رفضت وزارة الأمن توفير المعلومات المطلوبة على مدار شهور، بادعاء أن هذه المعلومات إما غير موجودة أو أنها سرية. وفي تموز من نفس السنة، اضطررنا إلى تقديم التماس مرتكز إلى قانون حرية المعلومات لإلزام وزارة الأمن بتقديم المعلومات المطلوبة. وفي الرد الذي قدمته الوزارة للمحكمة، جاء بأن عمليات الرش تنفذ بواسطة شركات إسرائيلية خاصة، “إلا أن عمليات الرش تجري فقط فوق أراضي دولة إسرائيل، على امتداد منطقة العائق الأمني الفاصل مع غزّة”. في إطار ذلك الإجراء القضائي، ادعت الوزارة في بداية المطاف أنها لا تملك معلومات عن مواقع ومساحة الأراضي التي تم رشها وحول مواعيد الرش السابقة، لكنها غيرت صيغة ردها هذا، بعد توجه “ﭼيشاه – مسلك” للمحكمة مجددًا، في إطار الالتماس، وقد اعترفت الوزارة أن لديها معلومات حول مواعيد عمليات الرش والأراضي التي تم رشها، ورغم ذلك، فقد ادعت أنها غير قادرة على نشر المعلومات بسبب خشيتها من “المس بأمن الدولة وأمن الجهات العاملة في مجال الرش”.

تتابع جمعية “ﭼيشاه-مسلك” عمليات الرش وتنشر عنها بشكل حثيث منذ كانون أول 2015. وخلال هذه السنوات الثلاث جرى تنفيذ عمليات رش خلال فترتين من كل عام: بين كانون أول وكانون ثاني، وفي شهر نيسان. ويتضح من شهادات المزارعين أن عمليات الرش تتم في ساعات الصباح، حيث تحلق الطائرات فوق السياج وفوق المناطق القريبة منه، وعلى ما يبدو داخل مناطق القطاع ايضًا. وتحمل الرياح المبيدات إلى مسافات بعيدة داخل أراضي القطاع، الأمر الذي يؤدي إلى إلحاق أضرار للمحاصيل على بعد 1,200 مترا من السياج أيضًا. وتظهر الأضرار على المحاصيل بعد بضعة أيام من تنفيذ عمليات الرش.

إن الضرر المباشر اللاحق بالمزارعين نتيجة عمليات الرش كبير جدًا. وبحسب تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية، بين الأعوام 2014 حتى 2018 ألحقت عمليات الرش التي نفذتها إسرائيل أضرارا بنحو 13,723 دونما من الأراضي الزراعية. وفيما يتعلق بأراضي المراعي، فالمعطيات المتوفرة تعود لعام 2018 فقط، حيث تضررت في هذا العام 8,200 دونما من أراضي المرعى.

وتضر عمليات الرش كذلك بالنحل في هذه المنطقة، وتلحق أضرارًا كبيرة بالمربين. المس بالنحل يضر هو أيضًا بالمحاصيل الزراعية. “أثر التثبيط” الناجم عن عمليات الرش يجعل الكثير من المزارعين يفضلون الامتناع عن زراعة المحاصيل المكلفة، رغم أنها قد تنتج أرباحا أفضل لهم.

وتلحق عمليات الرش أضرارًا خاصة برعاة المواشي، وهم بغالبيتهم من النساء. إذ تؤدي علميات الرش إلى تدمير شبه كامل للمساحات العشبية، وهذا ما يجبر الراعيات على شراء أعلاف بديلة لقطعانهنّ. وقد اتضح من المجموعة البؤرية لراعيات المواشي بأن أية تكاليف إضافية تُصرف على المواشي تتسبب في تراجع الأرباح الشحيحة التي تجنيها النساء. وقد شهدت النساء بأن المواشي كانت تعود من المراعي في السابق وهي شبعة، وكانت النساء يعدن إلى منازلهنّ وفي جعبتهن ما يكفي من الأعشاب لوجبات إضافية للمواشي.

في الفيديو: مزارعون في قطاع أصحاب حقول خضار في منطقة قريبة من السياج الذي أقامته إسرائيل، يشرحون للباحث الميداني في جمعية “ﭼيشاه – مسلك” عن الأضرار البالغة التي لحقت بحقولهم نتيجة لعمليات الرش التي نفذتها طائرات مستأجرة من قبل وزارة الأمن الإسرائيلية. شباط 2017. تصوير: “ﭼيشاه – مسلك”.

في فيديو: رش مبيدات في المنطقة العازلة، كانون ثاني 2018. تصوير: “ﭼيشاه – مسلك”

البناء والمباني

من المقابلات التي أجريناها في مناطق مختلفة على امتداد السياج، يظهر بأن سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة وانعدام الوضوح فيما يتعلق بالأوامر العسكرية، يترك مجالاً خطرًا للتجربة والخطأ، أين يسمح بالبناء، ماذا يسمح، وعلى أية أبعاد من السياج. ومع ذلك، فقد كان بالإمكان رسم صورة عامة بخصوص أين يبدأ ظهور المباني في المنطقة العازلة، على أي بعد من السياج وأي نوع من المباني.

بالإمكان ملاحظة وجود شبكات المياه المخصصة للري على مسافات تتراوح ما بين 100 متر وحتى 300 متر من السياج. وفي زيارة للمنطقة الواقعة جنوبي مدينة غزّة، شاهدنا شبكات المياه في مناطق تبعد مسافة 100 متر من السياج. شرقي خان يونس، في منطقة سريج، يستخدم المزارعون الآبار لغرض سقاية أراضيهم، ولكن، وفي ظل غياب تعليمات واضحة بخصوص المكان الذي “يُسمح” فيه بحفر أو إنشاء بئر، فإن الطريقة الوحيدة أمام المزارعين في هذه الحالة هي التجربة والخطأ: إذ أنهم يبدؤون بحفر بئر، وينتظرون معرفة إذا ما كان الجيش سيسمح لهم بمواصلة العمل. أما جنوبي مدينة غزّة، فيمكن رؤية بئر ماء على مسافة 350 متر من السياج. في هذه المنطقة، يقع البناء السكني الأول على مسافة تبلغ نحو 900 متر من السياج. وبحسب ادعاء المزارعين هنالك، ليس هنالك حاجة خاصة لاستصدار تصاريح بناء أو للتنسيق المسبق مع جهات إسرائيلية. وبحسب أقوال المزارعين، فإن الدخول إلى مسافة 300 متر أيضًا في هذه المنطقة بهدف زراعة الأشجار أو مد شبكات الري هي شؤون لا تتطلب تنسيقًا مع الإسرائيليين، وذلك لأن الجيش يعرف المزارعين أصلاً، وبسبب وجود كاميرات مراقبة مثبّتة على امتداد السياج، تقوم بتوثيق كل ما يحدث.

شرقي مدينة غزّة، يمكن مشاهدة الآبار على مسافة كيلومتر واحد فقط من السياج. وبحسب ما يقوله المزارعون في المنطقة، فإن سبب ذلك هو عدم توفر شبكات الكهرباء المطلوبة لتشغيل الآبار. فهم يعلمون بأن بإمكانهم حفر آبار في مناطق أقرب من السياج، إلا أن الأمر سيتطلب منهم، إن حدث ذلك، تشغيل مولّد كهرباء، وهذا المولد ستكون تكلفته، وتكلفة صيانته وخصوصًا تكلفة وقوده، شديدة الثقل من ناحية اقتصادية. صورة مماثلة بالإمكان استقاؤها من مقابلة أجريناها في منطقة سريج، شرقي خان يونس، حيث يمكن مشاهدة آبار الماء هنالك على آماد تبلغ كيلومتر فقط من السياج، وذلك باستثناء بئر ماء واحدة، جرى حفرها على مسافة تبلغ نحو 700 متر من السياج.

جزء 5
خريطة غزة
خريطة غزة


بإمكانكم الاقتراب إلى المناطق على الخارطة المشار إليها بواسطة دبابيس، باستخدام خاصية “زوم – إن”، والتجول في الحقول في المنطقة العازلة المتاخمة للجدار (إشارة بارزة، شارع جكر)، وفي منطقة الميناء.

جزء 6
منطقة الصيد
ميناء غزة. تصوير: جمعية "چيشاه-مسلك"
ميناء غزة. تصوير: جمعية “چيشاه-مسلك”

في اتفاقيات أوسلو تمت الإشارة إلى مناطق تبعد مسافة 20 ميلاً بحريًا (نحو 37 كيلومتر) عن شاطئ غزة، والتي ستكون مفتوحة (تحت بعض الشروط) لاستخدام الفلسطينيين لأغراض الصيد، الترفيه والنشاطات الاقتصادية. المسؤولية عن تطبيق القانون في هذه المنطقة كان من المفترض أن تقسم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. إلا إن هذا القرار لم يطبق أبدًا.

في العام 2002 التزمت إسرائيل أمام المبعوثة الخاصة من قبل أمين عام الأمم المتحدة، كاثرين برتيني، بالسماح للصيادين بالابتعاد حتى مسافة 12 ميلاً بحريًا عن شاطئ القطاع. عمليًا، هذا الاتفاق أيضًا لم يطبق بشكل كامل. بموجب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، في عامي 2003 و 2004 منعت إسرائيل مطلقًا ابحار السفن من مرفأ خان يونس ومنعت صيد الأسماك في المنطقة المتاخمة له. وفي عام 2005، تم فتح المرفأ لمدة 95 يومًا فقط خلال السنة.

ومع وقوع الجندي غلعاد شاليط في الأسر في حزيران 2006، منعت إسرائيل الدخول إلى البحر بشكل تام على امتداد شواطئ غزة لمدة أكثر من أربعة شهور. في نهاية تشرين أول 2006 رفعت إسرائيل الحظر الشامل على الصيد: قبالة شواطئ مدينة غزة ودير البلح، سمحت للصيادين بالوصول إلى 6 أميال بحرية، وقبالة خان يونس ورفح تم تقييد منطقة الصيد بثلاثة أميال بحرية. عمليًا لم يجر الصيد في كافة المنطقة المسموحة وذلك بسبب إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي نحو قوارب الصيادين. في أيلول 2007، أعلنت إسرائيل عن قطاع غزة “كيانٍ معادٍ” وذلك في أعقاب سيطرة حماس على القطاع، وفرضت عليها إغلاقًا شاملاً. أحدى الخطوات التي اتخذت حينها، كجزء من سياسة الحرب الاقتصادية على القطاع، كان تقييد منطقة الصيد لثلاثة أميال بحرية. هذه الخطوة تؤكد على اعتراف إسرائيل بأن تقليص منطقة الصيد يضر بمصدر رزق الصيادين ويؤدي إلى تباطؤ في الاقتصاد، ويوضح الجوانب العقابية لتقييد المنطقة المسموحة للصيد.

وعشية اندلاع العملية العسكرية “الرصاص المصبوب”، في نهاية العام 2008، قلصت إسرائيل مجددًا منطقة الصيد لثلاثة أميال بحرية. اتفاقية وقف إطلاق النار التي وقعت في نهاية العملية العسكرية “عامود السحاب”، في تشرين ثاني 2012 تضمنت أيضًا توسيع منطقة الصيد لستة أميال بحرية. لكن في آذار 2013 قيدت إسرائيل مجددًا المسافة المسموحة لثلاثة أميال بحرية، وذلك في أعقاب اطلاق قذيفة قسام إلى الأراضي الإسرائيلية، وأعادته إلى سته أميال بحرية في نهاية أيار 2013.

مع انتهاء العملية العسكرية “الجرف الصامد”، حددت إسرائيل منطقة الصيد بستة أميال بحرية من الشاطئ وذلك في إطار “التسهيلات” لسكان القطاع. ومنذ شهر نيسان 2016، تقوم إسرائيل بتوسيع منطقة الصيد، مع اقتصار هذه التوسعة على المناطق الواقعة جنوبي وادي غزّة، من ستة أميال بحرية إلى تسعة، مرتين في السنة لفترة تتراوح بين شهر ونصف إلى ثلاثة شهور. إن عمليات توسيع منطقة الصيد تتزامن مع “مواسم الصيد”: الأولى تبدأ في شهري نيسان وأيار وتنتهي بنهاية شهر حزيران؛ أما الثانية فتبدأ من تشرين أول وتستمر حتى كانون أول. ويفيد اتحاد الصيادين في غزة بأن التوسعات “الموسمية” لا تؤدي إلى زيادة ملحوظة في أرباح الصيادين. بالإضافة إن الإفراط في الصيد في مناطق محدودة جغرافيًا يستنفد الثروة السمكية وينهك قدرتها على التجدد. إن غزّة، وهي منطقة ساحليّة تشكل الأسماك فيها مكوّنا رئيسيًا وتقليديًا في قائمته الغذائية، تضطر إلى استيراد الأسماك من إسرائيل لكي تنجح في سد الطلب.

يتم رسم حدود منطقة الصيد عبر طوّافات مائية يضعها سلاح البحرية الإسرائيلي. ويتم فرض التقييدات بشكل أساسي عبر إطلاق النار التحذيري أو إطلاق النار تجاه المراكب والصيادين، وهذا ما يتسبب بأضرار جسيمة للصيادين، وإصابتهم، بل والأسوأ من ذلك كله، وكما حصل في أكثر من مرة بخسائر في الأرواح.

وفي ردهّ على طلب قدمته جمعية “ﭼيشاه – مسلك” بموجب قانون حرية المعلومات، أبلغنا الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي أن تحقيقان قد أجريا منذ العام 2009 حول أحداث “لقي فيها إنسان حتفه نتيجة لقيام قوات سلاح البحرية بإطلاق النار في الحيز البحري المقابل لقطاع غزّة”. وفي كلا الحادثين، اللذان حصلا في العامين 2009 و 2010، وجد المدعي العام العسكري بأنه “لم تكن هنالك شبهات لارتكاب مخالفة، تستوجب فتح تحقيق جنائي”. وبموجب المعلومات التي أوردها الجيش الإسرائيلي، يصادر سلاح البحرية 22 قارب صيد بالمعدل كل سنة.

حوادث إطلاق نار، اعتقالات وأضرار بالممتلكات في منطقة الصيد منذ 2010

حوادث إطلاق نار، اعتقالات وأضرار بالممتلكات في منطقة الصيد منذ 2010
حوادث إطلاق نار، اعتقالات وأضرار بالممتلكات في منطقة الصيد منذ 2010

تقوم إسرائيل بفرض تقييدات، وحتى تمنع، دخول المواد الضرورية اللازمة لترميم المراكب المتضررة من إطلاق النار أو بسبب الحوادث التي تحصل في عرض البحر، وهذا ما يضطرّ الصيادين إلى تعطيل عمل الزوارق المتضررة، أو إلى شراء مواد تصل عن طريق الأنفاق من مصر، وهي مواد ذات جودة منخفضة وأسعارها باهظة جدًا.

التقييدات المتعددة أضرت بشكل كبير بمدى ربحية هذا القطاع الاقتصادي التقليدي. كثيرون هجروا هذه المهنة، وغالبية من استمروا فيها، يفعلون ذلك تحت ضغط انعدام البدائل في سوق العمل الضعيف في القطاع، وفي ظل نسب البطالة التي تقترب من الـ 50 بالمئة. وقد انخفض عدد العاملين في قطاع الصيد من نحو 10,000 في العام 2000 إلى نحو 3,000 اليوم.

محور زمني - منطقة الصيد
حركوا المؤشر يمينًا لمطالعة التسلسل الزمني للتقييدات
قبل أيلول 1995
استطاع الصيادون التنقل في البحر مقابل شواطئ غزة بحرية نسبيًا، تحت رقابة سلاح البحرية الإسرائيلي.
أيلول 1995
تم توقيع الاتفاقية المرحلية الإسرائيلية-الفلسطينية والتي بموجبها يسمح لصيادي غزة بالابتعاد حتى 20 ميلاً بحريًا عن الشاطئ. هذا القرار لم يطبق أبدًا، وبقيت منطقة الصيد مقيدة حتى 12 ميلا بحريًا.
أيلول 2000
خلال الانتفاضة الثانية فرضت إسرائيل تقييدات على المنطقة التي تسمح بالصيد داخلها.
آب 2002
التزمت إسرائيل أمام المبعوث الخاص من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، كاثرين برتيني، أن تسمح للصيادين بالوصول حت بعد 12 ميلا بحريًا من الشاطئ. هذا الالتزام الم يطبق أبدًا عمليًا، والبعد الأقصى المسموح كان عشرة أميال بحرية فقط.
2003-2004
اسرائيل منعت خروج قوارب الصيد من مرفأ خان يونس ومنعت الصيد في المناطق المحاذية له. عام 2005 تم فتح المرفأ أمام الصيادين في 95 يومًا من أيام السنة فقط.
حزيران 2006
مع وقوع الجندي الإسرائيلي في الأسر في حزيران 2006، منعت إسرائيل الصيادين سكان القطاع من الدخول إلى البحر بشكل تام. تم الإعلان عن قرار المنع عبر الإذاعة الإسرائيلية باللغة العربية.
تشرين أول 2006
مكتب التنسيق الزراعي الإسرائيلي يبلغ مكتب التنسيق الزراعي في غزة بالسماح بالصيد مجددًا. قبالة شواطئ مدنية غزة ودير البلح يسمح بالصيد حتى مسافة ستة أمال بحرية ولكن قبالة خان يونس ورفح، مقيد حتى ثلاثة أميال فقط.
شباط 2007
وسعت إسرائيل منطقة الصيد قبالة شواطئ خان يونس ورفح إلى ستة أميال بحرية. عمليًا، الصيد لم يحدث في كامل المنطقة المسموحة، بسبب إطلاق الجيش الإسرائيلي للنار نحو قوارب الصيادين.
كانون أول 2008
عشية اندلاع العملية العسكرية "الرصاص المصبوب"، قلصت إسرائيل مجددًا منطقة الصيد إلى ثلاثة أميال بحرية.
تشرين ثاني 2012
في أعقاب العملية العسكرية "عامود السحاب" اسرائيل تصادق على توسعة منطقة الصيد إلى ستة أميال بحرية، وقلصته مجددًا إلى ثلاثة أميال في آذار 2013، وذلك في أعقاب اطلاق قذيفة قسام نحو الأراضي الإسرائيلية، وتعيده إلى ستة أميال بحرية في نهاية أيار 2013.
تموز 2014
في أعقاب خطف الشبان الثلاثة في منطقة غوش عتصيون، اتخذت إسرائيل خطوات عقابية جماعية وقلصت منطقة الصيد إلى ثلاثة أميال بحرية.
آب 2014
بعد العملية العسكرية "الجرف الصامد" وسعت إسرائيل منطقة الصيد إلى ستة أميال بحرية، كجزء من "التسهيلات" لسكان القطاع.
نيسان 2016
وسعت اسرائيل الحيز البحري جنوب القطاع إلى تسعة أميال بحرية. التوسعة كانت سارية لمدة شهرين، اعتبرتهما إسرائيل "موسم الصيد".
منذ حينها وحتى اليوم
مرتين كل سنة، تعلن إسرائيل عن توسعة مؤقتة للمنطقة المتاحة أمام صيادي القطاع من ستة إلى تسعة أميال بحرية، وتستمر هذه التوسعة لعدة أسابيع. في اتحاد الصيادين في غزة يقولون أن التوسعة "الموسمية" لا تؤدي إلى ارتفاع جدي بأرباح الصيادين. المطلوب هو توسعة ثابتة حتى مسافة 20 ميلاً بحريًا، كما ورد في الاتفاقيات. في 17 تموز هذا العام، كخطوة عقابية، تم تقليص منطقة الصيد لثلاثة أميال بحرية فقط.
جزء 7
شهادات من المنطقة العازلة ومنطقة الصيد
شهادات من المنطقة العازلة ومنطقة الصيد

نجية الملالحة: "كنت مع أغنامي في المرعى. كان ذلك في مكان "مسموح" لرعي الأغنام، حيث يوجد هناك مزارع ودفيئات زراعية. فجأة رأيت أن أحدًا أطلق رصاصة على أحدى أغنامي، كأنه اصطادها. تساءلت، أنا حتى لست على مقربة منهم، لماذا يفعلون ذلك؟ ماتت الغنمة على الفور. تركتها في المكان، ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟"

أم إسماعيل: "قبل قرابة خمسة أشهر أطلقوا النار على إحدى أغنامي، التي كانت حامل. اسرعت بنقلها للطبيب البيطري، لكنها نزفت حتى الموت خلال الطريق. أعطاني الطبيب البيطري ورقة تصف الحادثة واقترح علي أن أتوجه لوزارة الزراعة. لكني أعلم أنهم لن يفعلون أي شيء. لن أحصل على تعويض. رغم هذا الحادث، سأعود لرعي الأغنام بالقرب من السياج، لأنه ليس لدي خيار آخر. لا يمكنني أن أشتري لهن العلف."

سهيلة نجار: "في كل صباح، في الساعة السادسة، أخرج بصحبة أبني لرعي أغنامي في المنطقة المحاذية للسياج، وأمكث هناك حتى الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة. يُمنع علينا أن نبقى أكثر، لأنه حينها سيطلقون علينا النار. بعد الظهر أخرج مرة أخرى، وقبل المغيب أعود، لأنه إذا بقينا في المرعى حتى حلول الظلام، سيطلقون علينا النار.

في احدى المرات ذهبنا لجمع القش من منطقة السياج. كان إطلاق نار بالقرب منا واضطررنا للهرب. بعد وقت قصير عدت لآخذ ما جمعت من قش. لم أسمح لنفسي بأن أتنازل عنه، زوجي مريض بالسرطان وأنا المعيلة للعائلة. لدي ثمانية أبناء وثلاث بنات، جميعهم يعاونونني. اثنان من الأبناء ذوي إعاقة، وقد أنهيا مؤخرًا تعليمهما الجامعي، لكن لم يجدا عملاً. أنا أعيلهم بواسطة هذا القطيع".

رياض سليم النسر، 57 عام، من سكان مخيم البريج للاجئين: " يتم رش المنطقة مرتين خلال السنة، خلال شهري كانون ثاني ونيسان. يقوم الجيش برش المنطقة الواقعة على بعد 100 متر غرب السياج، لمنع اقتراب الرعاة من المنطقة. لكن رذاذ الرش يصل لمسافة كيلومتر على الأقل. منذ ثلاث سنوات وأنا أتعرض للرش، الذي يسبب لي خسائر كبيرة: هذه السنة خسرت 15 دونمًا من البقدونس وحقل باذنجان. في الماضي خسرت حقل بطيخ. الحديث عن خسائر تتراوح ما بين 10-15 ألف دولار على الأقل.

 أحيانا يقوم الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار تجاهنا للتحذير، عندها نقوم نلملم أغراضنا ونعود الى البيت. قبل سنة تقريبًا أصبت في يدي نتيجة إطلاق نار من قبل الجيش الإسرائيلي. في 14 أيار، تزامنًا مع انطلاق المظاهرات، عملت مع العمال لتثبيت الجدار حول الحقل، وأصبت في رجلي. تم بتر أثنين من أصابع قدمي، خضعت لعمليتين وما زلت في انتظار تعيين العملية الثالثة.

الخوف يلازمنا دائمًا خلال العمل، لكن لا نملك ارض أخرى لنكسب رزقنا منها. لدي خمسة أبناء، ثلاثة منهم خريجي جامعات يعملون معي في الزراعة. أخوتي يعملون معي أيضًا، عشرة أشخاص يعملون معي بشكل ثابت. لجميعهم يوجد عائلات، اذا جلست في البيت، كيف سأعتاش؟"

خالد الهبيل، من سكان غزة، يمارس مهنة الصيد منذ 40 سنة: "نحن نعاني من إطلاق نار مستمر باتجاه القوارب، من الإصابات ومن مصادرة معدات الصيد من قبل الجيش الإسرائيلي. قبل حوالي شهر ونصف قامت سفينة تابعة للجيش الإسرائيلي بضخ المياه داخل قاربي . الجندي قال لي: " سأغرق سفينتكم و وآخذكم للمعتقل في أشدود"، على الرغم من تواجدنا في المنطقة المسموحة للصيد. 

أعمل ستة او سبعة أيام فقط خلال الشهر، لعدم توافر الأسماك. أحيانا يتبقى لي 20 شاقل ربح فقط من يوم العمل، بعد خصم تكاليف الوقود، وأحيانا أخرى أبقى مع مدين 1,500-2,000 شاقل. منطقة الصيد المخصصة لنا تشبه أكثر بركة السباحة. آخر فترة كانت جيدة بالنسبة لنا كصيادين كانت قبل العام 2007. منذ الحصار، كل سنة أسوأ من التي سبقتها. قبل شهر سمحوا لنا بالاصطياد حتى عمق 9 ميل بحري، في المنطقة الواقعة من وادي غزة حتى رفح، لكن هذه المنطقة غير جيدة للصيد. وصلنا الى هناك مرة واحدة: لم نغطي تكاليف الوقود.

يجب توسيع مساحة الصيد حتى 20 ميلاً بحريًا على الأقل. أن يعطونا فرصة العمل بأمان وبهدوء، من دون ان يراودنا الخوف والقلق كل الوقت بأن يتعرض أبناءنا للإصابة أو القتل".

جزء 8
الخلاصة
Suhaila Najjar, herder in the buffer zone, June 2018. Photo by Gisha
Suhaila Najjar, herder in the buffer zone, June 2018. Photo by Gisha

ليس هنالك تقديرًا محدثًا لعدد السّكان المتضررين نتيجة لعلميات الجيش في المناطق الحدوديّة في غزّة، أو للخسائر في المادية اللاحقة بهؤلاء السكان، كما لا يمكننا أيضًا احتساب “أثر التثبيط” الناجم عن الامتناع والحذر الزائد النابع من صدمات الماضي، إلا أن الأمم المتحدة قد قدّرت، في العام 2010 ، بأن قرابة الـ 178 ألف شخص (أي 12% من سكان القطاع آنذاك) يتأثرون بشكل مباشر من أنظمة الوصول إلى المناطق الحدودية التي يحددها الجيش الإسرائيلي. يشمل هذا المعطى نحو 113 ألف شخص الذين يتأثرون من التقييدات المفروضة في البر (المنطقة العازلة)، إلى جانب نحو 65 ألفًا يتأثرون من التقييدات المفروضة على المناطق البحريّة (مناطق الصيد). وقد قُدِّر محصول الأسماك الذي كان بالإمكان اصطياده، ولم يتم ذلك نتيجة لفرض هذه التقييدات، بنحو 7,000 طنًا، تتم ترجمتها إلى فقدان مداخيل تبلغ نحو 26.5 مليون دولار، على مدار خمسة أعوام.

تطرق هذا التقرير إلى المخاطر الجمّة، والأثمان الباهظة التي يضطر سكان غزّة إلى دفعها نتيجة لإعلان الجيش عن مناطق واسعة في القطاع، سواء كانت بريّة أو بحريّة، كمناطق تحظر أو تقيد فيها الحركة والتنقل. إلى جانب الإسقاطات المدمرة للإغلاق، التي يمكن لمسها في جميع مناحي حياة سكان غزّة، فإن سيطرة إسرائيل على المناطق العازلة والصيد تعرض حياة السكان، ورعاة المواشي، والمزارعين، والصيادين، للخطر، كما أنها تمنع خلق فرص عمل هامة، وكسب الرزق، وتحقيق نمو اقتصادي، وتؤثر بشكل خاص على النساء العاملات في رعي المواشي والزراعة.

إن تقييد منطقة الصّيد بستة أميال بحريّة في غالبيّة أيام السنة، تقلص جدًا من إمكانيات الصيد، ودفعت الكثيرين إلى ترك مهنة صيد الأسماك، التي تعدّ واحدةً من أقدم المهن في غزّة. وحتى حين تقوم إسرائيل بتوسيع المساحة التي يسمح فيها بالصيد إلى تسعة أميال، جنوب وادي غزّة، لفترات زمنيّة قصيرة، فإن هذه المساحة تعتبر صغيرة نسبةً لعدد الصيادين الكبير. إن قيام إسرائيل بتوسيع وتقليص مساحة الصيد يحمل صبغة تعسفيّة في أفضل الحالات، وصبغة عقابيّة في أسوئها. إن صيادي الأسماك بحاجة إلى توسيع كبير لمنطقة الصيد، على الأقل حتى عشرين ميلا بحريًا كما ورد في الاتفاقات الموقّعة، على امتداد أيام السنة، وعلى طول السّاحل.

إن السيطرة الإسرائيليّة المتواصلة على المناطق العازلة تسفر عن أضرار هائلة للمزارعين ولرعاة المواشي في غزّة. العمليات المتكررة والمتواترة للجيش الإسرائيلي في المنطقة، وفرض تقييدات تعسفيّة قد تتغير بشكل مفاجئ في أي وقت، تجبر المزارعين على الاكتفاء باستخدام للأراضي القريبة من السياج ضمن الحد الأدنى، خصوصًا المناطق التي تبعد حتى 300 متر من السياج. كما أن عمليات رش مبيدات الأعشاب التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي مرتين في كل سنة، تلحق أضرارا كبيرة بالمحاصيل، على مسافاتٍ تبعد حتى كيلومتر من الجدار.

قبل خمسة أعوام قمنا بإصدار ورقة الموقف التي جاءت تحت عنوان “ضباب خلف الجدار“، والتي تطرقت إلى المخاطر والأثمان المترتبة على أوامر إطلاق النار في المنطقة العازلة. وقد حذرنا آنذاك، من أن غياب اليقين لدى السكّان، وانعدام الشفافيّة بخصوص الأنظمة التي يطبقها الجيش في المنطقة الحدوديّة، وكذلك بخصوص الأسباب المؤدية لإطلاق النار في المنطقة، تعرّض المزارعين للخطر، ورعاة المواشي وجامعي الحصى أو بقايا المعادن، العاملين هنالك من أجل كسب قوت يومهم. ويتّضح بأنه رغم التغييرات الطفيفة التي طبقتها إسرائيل خلال السنوات، لا زال الخطر يتربص بسكان غزة الذين يحتاجون للوصول إلى أراضيهم. كما أن إسرائيل تواصل المسّ برفاهيّة وأمن الفلسطينيين سكان المنطقة العازلة.

تطبيق التقييدات الإسرائيليّة في البحر والبرّ، يتمّ في الكثير من الأحيان بواسطة إطلاق النار من دون تحذير مسبق، وهو ما يتسبب في إصابة ومقتل الأبريّاء. وكما قلنا في الماضي، فطالما لم يكن هنالك خطر واضح وفوري على حياة البشر، فإن هذه الممارسات التي تقيد تنقلهم، تعتبر غير قانونيّة. إن الاستخدام العنيف للقوة العسكريّة، إلى جانب ممارساتٍ أخرى كرشَ المبيدات المضادة للأعشاب، تخلق عاملاً مثبطًا، يدفع الصيادين، والمزارعين، ورعاة المواشي، وسكانًا آخرين، إلى الامتناع عن استغلال الموارد التي يملكونها وفقا للقانون، استغلالًا أقصى.

بحسب موقف “ﭼيشاه – مسلك”، والذي يعتبر الموقف المقبول على غالبيّة فقهاء القانون الدولي والجمعيات الدوليّة الرئيسيّة كالصليب الأحمر، فإن قوانين الاحتلال ينبغي أن تطبق على عمليات دولة إسرائيل الممارسة تجاه سكان غزّة، وذلك بسبب سيطرتها الواسعة على جوانب كثيرة من حياتهم. صحيح أن تطبيق قوانين الاحتلال يمنح إسرائيل سلطة في فرض تقييدات على الحركة والتنقل في مناطق معينة في المناطق المحتلة، إلا أن الأمر محصور فقط في حال كانت هنالك حاجات أمنيّة واضحة وملموسة وضروريّة، لا يكون بالإمكان توفيرها بوسائل أخرى يكون ضررها على السكان المحليين أقلّ.

إن لسياسات إسرائيل، التي يجري في إطارها فرض “مناطق عازلة” داخل أراضي قطاع غزّة، في مناطق شديدة الأهميّة للسكان المدنيين الذين يعانون من ظروف معيشية شديدة الصعوبة أصلا، لها إسقاطات مدمرة على اقتصاد القطاع وعلى فرص العمل فيه. على إسرائيل أن تكف عن سياستها الهدامة وغير التناسبية، وأن تتيح حياة سليمة للفلسطينيين سكان غزة، ومن ضمنهم، الصيادين، المزارعين ورعاة الأغنام.