360 درجة في سنتين

مضى عامان منذ بدء العمليّة العسكرية "الجرف الصامد"، الأكثر دمويّة من بين العمليات العسكرية في قطاع غزة. مباشرة، ومع انتهاء المعارك تعهّدت عشرات الدول، وإلى جانبها وزارة الأمن الإسرائيلية والمستوى السياسيّ في إسرائيل، بتقديم المساعدات لإعادة إعمار قطاع غزة، حيث كان الهدف المُعلن بناء ما جرى تدميره، وتوفير المساعدات لتعزيز الاقتصاد لرفاهيّة السكان في غزة وتحقيق الاستقرار للمدى البعيد في المنطقة. عامان مرا منذ ذلك الوقت وآن الأوان لمعاينة الوضع على أرض الواقع ولطرح السؤال: هل طرأ تحسن على حياة سكان القطاع؟ هل ثمة أفق أمل أمامهم؟

التالى
صورة: صورة لحي الشجاعية في مدينة غزة، بعد العملية العسكرية عام 2014. تصوير: ادواردو سوتيرس خليل

مضى عامان منذ بدء العمليّة العسكرية “الجرف الصامد”، الأكثر دمويّة من بين العمليات العسكرية في قطاع غزة. مباشرة، ومع انتهاء العمليات العسكرية تعهّدت عشرات الدول، وإلى جانبها وزارة الأمن الإسرائيلية والمستوى السياسيّ في إسرائيل، بتقديم المساعدات لإعادة إعمار قطاع غزة، حيث كان الهدف المُعلن بناء ما جرى تدميره، وتوفير المساعدات لتعزيز الاقتصاد لرفاهيّة السكان في غزة وتحقيق الاستقرار للمدى البعيد في المنطقة. عامان مرا منذ ذلك الوقت وآن الأوان لمعاينة الوضع على أرض الواقع ولطرح السؤال: هل طرأ تحسن على حياة سكان القطاع؟ هل ثمة أفق أمل أمامهم؟

ثمة حقيقتان بارزتان:

أولًا، خلال العامين دخلت كميات من مواد بناء بغية نحو 11 ألف وحدة سكنيّة التي جرى تدميرها كليُّا، إضافة إلى 6,800 وحدة سكنيّة تضررت ولم تعد صالحة للسكن، وأكثر من 150 ألف وحدة سكنيّة أخرى تضررت بشكل جزئيّ، هذا بالإضافة إلى المباني الصناعيّة والتجاريّة والبنى التحتيّة وغيرها.

ثانيًا، ثمة العديد من الصعوبات التي تحول دون تعافي سكان قطاع غزة. نسب البطالة ما زالت مرتفعة جدًا؛ البُنى التحتيّة في حالة يرثى لها؛ الركود الاقتصاديّ؛ العزل المُستمر؛ إمكانيّات التنقّل لا زالت محدودة؛ نحو 75 ألف نسمة بدون مأوى نتيجة العملية العسكرية عام 2014؛ وحالة اليأس مُتفشية.

بيت دُمِّر خلال العملية العسكرية “الجرف الصامد”. تصوير جمعية “ﭼيشاه-مسلك”

خلال العامين الماضيين، كانت قضيّة إعادة إعمار المباني وبناء الوحدات السكنيّة لعشرات آلاف السكّان الذين فقدوا منازلهم نتيجة القصف في مركز الاهتمام. إلا أنّ الرقابة على كميات مواد البناء الداخلة إلى القطاع وقياس وتيرة البناء، هي التي طغت على كل شيء. الأمر الذي أدّى في العديد من الحالات إلى صرف النظر عن سياسة إسرائيل الغامضة والمتقلبة بخصوص تصاريح السماح بدخول البضائع، وبخصوص ما يُسمح بتسويقه من غزة في أسواق الضفة وإسرائيل.

سرعة استخدام “الأسباب الأمنيّة” حتى ضد الكثيرين من بين الأقليّة التي تنطبق عليها المعايير الإسرائيلية الصارمة والضيّقة للمرور عبر معبر إيرز، وإيقاف خدمات البريد الحكوميّ، ومنع دخول مواد البناء لفترات مختلفة ومصادرة شحنات بضائع بأكملها في طرق دخولها إلى القطاع بحجة أنّ جزءًا قليلًا منها يثير الشبهات – جميع هذه الأمور هي عقوبات واضحة يجري اتخاذها وتطبيقها رغم أنها تعرقل عمليات إعادة الأعمار.

تواصل إسرائيل تطبيق قاعدة منع التنقّل بين جزأي الأرض الفلسطينية، قطاع غزة والضفة الغربيّة، عدا عن حالات استثنائية، وإمكانيات التنقّل أمام السكان بقيت قليلة. كما أنّ معبر رفح إلى مصر مغلق معظم أيام السنة، مما يؤدي إلى خسارة عشرات آلاف المسافرين عبره لإمكانيات مزاولة أعمالهم ودراساتهم أو الالتقاء مع أقاربهم خارج البلاد؛ تفرض إسرائيل العديد من التقييدات على دخول مواد ضرورة لإعادة الإعمار وللعديد من فروع الاقتصاد في غزة بحجة أنها ضمن قائمة المواد “ثنائية الاستخدام“، رغم أنها ضروريّة لترميم وبناء المصانع، والمباني، وشبكة الكهرباء، وشبكة المياه والصرف الصحيّ، ولفروع الاقتصاد جميعها.

وحول الفجوة المقلقة بين تصريحات أحد كبار المسؤولين الأمنيين في إسرائيل الذي عبّر عن تأييده لإعادة إعمار قطاع غزة واقتصاده معتبرًا ذلك مصلحة إسرائيليّة أمنيّة، وبين ترجمة ذلك على أرض الواقع – حول ذلك كتبت المديرة العامة لجمعية “ﭼيشاه-مسلك” تانيا هاري في مقالها الذي نُشر (في اللغة العبرية) في صحيفة “هآرتس” عشية توقيع اتفاقية المصالحة التركيّة الإسرائيليّة:

“منذ عامين ونحن نسمع تصريحات كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين الإسرائيليين المؤيدة لعمليّة النهوض في الاقتصاد الفلسطينيّ وقولهم أنّ أمن إسرائيل يرتبط في إعادة إعمار غزة. جميعهم يخطئون في نظرتهم الضيّقة إلى عمليّة أعادة الإعمار، باعتبارها إعادة بناء ما تم هدمه خلال 50 أيام القتال. إنّ إعادة الإعمار الحقيقيّة يجب أن تشمل الربط بين قطاع غزة والضفة الغربية، كي يستطيع السكان الازدهار وليس مجرد البقاء على قيد الحياة”.

جزء 1
البناء
ورشة بناء في قطاع غزة. تصوير: إيمان محمد
ورشة بناء في قطاع غزة. تصوير: إيمان محمد

منذ انتهاء العملية العسكرية في أيلول 2014 وحتى نهاية شهر حزيران 2016، دخل قطاع غزة 915 ألف طن إسمنت و126 ألف طن حديد للبناء، عبر معبر كرم أبو سالم (منذ نهاية شهر تشرين الأول 2015 تم استثناء الحصمة من قائمة المواد ثنائية الاستخدام، مما يعني عدم مراقبة دخولها إلى غزة عبر آلية إعادة الإعمار). وهي المواد المُخصصة لإعادة إعمار شبكة المياه، والمجاري، والمواصلات، والبيوت السكنيّة، والمدارس والعيادات، والمشاريع الدولية التي بدأ تنفيذها قبل العملية العسكرية الأخيرة. والحديث هنا عن كمية لا يُستهان بها من مواد البناء. رغم ذلك ما زالت هناك العديد من المعيقات الهائلة. تجدون في الملحق المرفق معلومات مُفصَّلة حول وتيرة البناء والتحديات أمامه في غزة.

جزء كبير من المبالغ التي تعهدت بدفعها الدول المانحة لإعادة الإعمار في غزة لم يصل بعد، كما أنّ الانقسام السياسيّ الفلسطينيّ الداخليّ لا يساهم في تشجيع الأطراف المانحة على الالتزام بتعهداتهم. آلية مراقبة دخول المواد إلى غزة والتي وضعتها إسرائيل بالتعاون مع السلطة الفلسطينيّة وبمراقبة من الأمم المتحدة ليست مُحكمة تمامًا، وهذا باعتراف من الجيش الإسرائيلي؛ فهي لا تستطيع منع تسرّب بعض الإسمنت إلى السوق السوداء. (كما وأنه منذ انتهاء العملية العسكرية دخل قطاع غزة 58,707 طن إسمنت وحصمة من مصر عبر معبر رفح الذي لا يخضع للرقابة الإسرائيليّة)، رغم ذلك فإنّ هذه الآلية تؤدي إلى رفع أسعار عمليات البناء وإعاقتها. فقد قامت إسرائيل بمعاقبة سكان غزة عبر منع دخول الإسمنت عبر معبر كرم أبو سالم لمدة ستة أسابيع، الأمر الذي أدى إلى توقف العمل في المشاريع المرتبطة بمواد البناء وخسارة آلاف العمال لأماكن عملهم.

جزء 2
حركة نقل البضائع
الكميات الأولى من البندورة التي تم تسويقها لإسرائيل بعد منع دام 8 سنوات. آذار 2015. تصوير: جمعية "ﭼيشاه-مسلك"
الكميات الأولى من البندورة التي تم تسويقها لإسرائيل بعد منع دام 8 سنوات. آذار 2015. تصوير: جمعية “ﭼيشاه-مسلك”

صحيح أنّ إسرائيل أعلنت في السنة الأولى بعد الحرب عن تسهيلات تتيح تسويق محدود للبضائع من قطاع غزة في أسواق الضفة وإسرائيل. لكن، ومع مرور الوقت عملت إسرائيل على وضع عراقيل جديدة ومُشددة التي تعيق جهود رجال الأعمال وأصحاب المصانع والتجار في إنعاش حركة الإنتاج والتسويق في الضفة وإسرائيل.

منذ تلك الفترة وصل مُعدَّل الشاحنات التي سمح لها بالخروج إلى الضفة وإسرائيل أو خارج البلاد إلى 12% فقط من حجم حركة الشاحنات قبل فرض الاغلاق؛ في النصف الأول لهذه السنة ارتفع عدد الشاحنات ليصل إلى 16% مما كان عليه قبل الاغلاق. نحو 85% من البضائع الخارجة من غزة قبل الاغلاق وصلت إلى أسواق إسرائيل والضفة، وكان للأسواق الإسرائيليًة حصة الأسد منها.

منذ شهر تشرين الثاني 2014 وحتى أواخر شهر حزيران من العام الحالي غادرت قطاع غزة 1,269 شاحنة بضائع زراعيّة إلى أسواق الضفة. بينما خرجت إلى إسرائيل 574 شاحنة باذنجان، وبندورة أو خردة معدنية (بما فيها شاحنة أثاث واحدة فقط)؛ و512 شاحنة بضائع زراعيّة إلى الأسواق وراء البحار. وهذا يعني أنه خلال العامين الأخيرين خرجت من غزة نحو 127 شاحنة في الشهر، بالمقارنة مع 1,064 شاحنة بضائع كانت تخرج من غزة شهريّا قبل فرض الإغلاق.

ينبغي على إسرائيل السماح للتجار من قطاع غزة بتجديد العلاقات التجارية لزيادة حجم التجارة مع الضفة وإسرائيل، والسماح للمزارعين بتسويق وبيع كميات وأنواع أكثر من المنتجات في إسرائيل، الأمر الذي سيعود بالفائدة على المستهلك الإسرائيليّ أيضًا. فوزارة الزراعة ما زالت ترفض حتى الآن زيادة حجم التسويق الزراعيّ من غزة إلى إسرائيل، حتى في حالات النقص الكبير في إسرائيل. وفي بداية العام، كما في كل عام، عملت إسرائيل على إتلاف محاصيل وأراض زراعيّة في قطاع غزة.

في إطار التسهيلات تلك، كان منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق قد صرح أنه سيسمح بتسويق الأثاث من غزة إلى إسرائيل، والذي كانت إسرائيل قد سمحت بتسويقه في الضفة. كان من الممكن أن يشكل هذا التصريح الخاص فاتحة أمل وانتعاش لقطاع الأثاث والصناعات الخشبية في غزة، إلا أن منسق أعمال الحكومة سارع مباشرة بالإعلان عن منع دخول ألواح خشبيّة يزيد سمكها عن سنتمترًا واحدًا إلى غزة (إضافة إلى التقييدات المفروضة على مجففات الدهانات والغراء). وبالنتيجة فإن قطاع الصناعات الخشبية والأثاث في حالة انهيار.

قرار وزير المواصلات، يسرائيل كاتس، (الذي اتخذه بأعقاب شكاوى من سكان الجنوب بخصوص المخاطر الناجمة عن الازدحامات المروريّة على شارع 232) بتقييد حركة الشاحنات باتجاه معبر كرم أبو سالم، يهدد هو الآخر حركة نقل البضائع من وإلى قطاع غزة. مع العلم أنّ قرار الوزير قد أتخذ على خلاف موقف المدير العام لوزارة الأمن الإسرائيلية، والذي سبق وحذر زملائه في وزارة المواصلات من مغبة الحد من حركة النقل على الشارع المؤدي إلى المعبر الوحيد لنقل البضائع بين غزة والعالم، وقال: “سوف تكون تداعيات بعيدة المدى وتأثيرات سلبيّة وضارة جدًا على عملية إعادة إعمار قطاع غزة والأوضاع الإنسانيّة هناك”. حاليّا جرى تجميد هذا القرار بأعقاب الالتماس الذي تقدم به مجلس اتحاد النقليات والشحن في إسرائيل.

وفي الوقت نفسه كان وزير الأمن الإسرائيلي حينذاك، موشيه يعلون، قد أمر بفتح معبر إيرز أمام حركة نقل البضائع أيضًا. وبغض النظر عن قضية الطريق المؤدية إلى معبر كرم أبو سالم، فإن فتح ممر آخر للبضائع شمال قطاع غزة حيويّ جدًا لعمليّة إعادة الإعمار وانتعاش الاقتصاد في غزة.

جزء 3
تنقّل الأشخاص
معبر ايرز. تصوير: ادواردو سوتيرس خليل
معبر ايرز. تصوير: ادواردو سوتيرس خليل

على عكس حركة نقل البضائع، لم يتم منذ العملية العسكرية الأخيرة اتخاذ أية تسهيلات هامة بخصوص تنقل الأشخاص. وفي خطوة اعتبرتها بادرة حسن نية، حددت إسرائيل قدر حصة البالغين المسموح لهم بالخروج لبضع ساعات أيام الجمعة بواسطة سفريات مُنظمة بغية الصلاة في المسجد الأقصى. صحيح أنّه جرى زيادة حصة التجار، لكنه تم سحب تصاريح أكثر من 1,500 تاجرًا بحجة “أسباب أمنيّة“.

يُلاحظ في الأشهر الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في أعداد السكان الذين يطلبون الخروج من قطاع غزة لأسباب مختلفة والذين يتم رفض طلباتهم بتسويغات “أمنيّة”. فالعديد من أصحاب تصاريح الخروج يُطلب منهم إعادة التصاريح لدى وصولهم المعبر والعودة إلى بيوتهم، أو يتم إجراء “محادثة أمنيّة” معهم من قبل المخابرات الإسرائيليّة كشرط للمرور. كما يلاحظ ارتفاع كبير في حجم الرفض المسبق لطلبات الخروج لنفس الحجج “الأمنيّة”، التي لا يتم تفصيلها أو حتى الاعتراض عليها.

في السنة الأخيرة تم فرض تقييدات مشددة على شروط خروج المرضى من غزة للحصول على علاج طبيّ في الضفة أو إسرائيل. كما أعلنت إسرائيل أنها ستسمح لسكان غزة السفر إلى الخارج عبر جسر اللنبي بدون قيود، شرط التوقيع على التزام بعدم العود إلى غزة خلال سنة على الأقل؛ كما قلصت إسرائيل إمكانيات دخول الفلسطينيين حاملي المواطنة الإسرائيليّة إلى غزة.

يكشف تقرير جمعية “ﭼيشاه-مسلك” الأضرار الناجمة عن تقييد الحركة لعشرات مؤسسات المجتمع المدنيّ في قطاع غزة والتي تعمل على قضايا عدّة، منها تعزيز المساواة الجندريّة وقيم حقوق الإنسان. ثمة صعوبة في رؤية الفائدة الأمنيّة التي تجنيها إسرائيل من إضعاف المجتمع المدنيّ في قطاع غزة.

الارتفاع الطفيف، والذي تم الحد منه مؤخرًا، في عدد حالات الخروج عبر معبر إيرز، لا يمكن أن يعوّض سكان قطاع غزة عن عمليات الإغلاق المتكررة لمعبر رفح، الذي شكل في السابق الممر الرئيسيّ إلى العالم. في نصف السنة التي سبقت تغيير السلطة في مصر، في صيف 2013، سجل معبر رفح أكثر من 20 ألف حالة خروج و20 ألف حالة دخول في الشهر. وفي النصف الأول من عام 2016 تم تسجيل 11,376 حالة خروج ودخول فقط. حاليّا ما زال عشرات آلاف الأشخاص الراغبين في الخروج من قطاع غزة بهدف العمل، أو الدراسة، أو العلاج، أو زيارة أقاربهم في الخارج، عالقين في غزة.

جزء 4
الخلاصة
الخلاصة

تشمل عملية إعادة إعمار قطاع غزة الإصلاح الماديّ للدمار الذي وقع خلال 50 يوم من القتال قبل عامين، وفي العمليات العسكرية التي سبقت ذلك، وكذلك توفير نافدة أمل للسكان في مستقبل يتيح لهم تحقيق قدراتهم البشريّة، والاقتصادية. بموجب التصريحات، فإن تعزيز العوامل المدنية والاقتصاديّة يقع في صلب التصور الأمني الإسرائيليّ، لكن طريقة تنفيذ السياسة على أرض الواقع ينافي هذا الهدف.

يجب العمل فورًا على إلغاء التقييدات المختلفة المفروضة على حرية الحركة والتنقل، والتي ليس لها أي مبرر أمنيّ. فسكان قطاع غزة، مثل جميع البشر، يستحقون حياة يسودها الاستقرار، التطور والنمو، وإمكانية إقامة حياة أسرية سويّة، والعيش في كرامة.