مُنتجات غزّة، بعد مرور عامَين

عامَين بعد العملية العسكرية على قطاع غزة، والحديث حول إعادة الاعمار والتسهيلات الإسرائيلية، عُدنا مرة اخرى للتواصل مع ممثلي قطاعات تجارية كُنّا قد تواصلنا معهم قبل عامَين. هم يحدثوننا اليوم عن التغييرات التي طرأت منذ ذلك الوقت، وتلك التي لم تطرأ بعد، وما هي العقبات التي تقف أمام ازدهار اقتصاد قطاع غزة

التالى

في الشتاء الذي تلا العملية العسكرية المُدمِّرة، التي اندلعت في صيف 2014 في قطاع غزّة، عقدنا جلسات مع ممثلين رفيعي المستوى عن خمسة قطاعات إنتاجية في قطاع غزّة. جاء ذلك عقب إعلان إسرائيل بأنها وللمرة الأولى منذ فرضها للإغلاق على قطاع غزة في صيف عام 2007، ستتيح تسويق منتجات من غزة في الضفّة الغربية، ولاحقًا، في إسرائيل أيضًا. أردنا، بشكل أساسيّ، أن نستفسر من الصناعيين والتجار من غزة حول الإمكانيات والفرص القائمة أمامهم. أن نفهم منهم ما المطلوب لكي تزدهر مصالحهم حين تنفتح أمامهم أسواقهم الطبيعية، أي في الضفّة الغربية وإسرائيل. أردنا أن نسمع عن احتمالات النمو في فرص العمل وفي المعرفة المهنية وفي المدخولات الماديّة. وقد قمنا بتلخيص نتائج تلك الدراسة في التقرير “صنع في غزّة“.

في تلك الفترة بدا وكأن دول العالم قد تجنّدت لغرض الإسهام في إنعاش اقتصاد غزة. وقد أبدى مسؤولون في المؤسستين السياسية والأمنية الإسرائيليّة مواقفًا تُساند هذا التوجّه. بعد سبعة أعوام من الإغلاق، تم فتح بوابة معبر كرم أبو سالم للحركة الخارجة من غزة، ولم يعد أمر خروج البضائع مقتصرًا على النّزر اليسير الموجّه إلى دول الخارج، وقد بدأت البضائع المنتجة في غزة بالانطلاق إلى أهدافٍ قريبةٍ جغرافيًّا. حالة التفاؤل التي سادت آنذاك لدى الأشخاص الذين قُمنا باستطلاع رأيهم وإجراء المقابلات معهم، رافقها إدراك تام بأن تطوّرهم مرتبط، بشكل كبير، بقدرتهم على الخروج والوصول، فعليًا، إلى الأسواق في كل من الضفّة وإسرائيل.

مرّ عامان منذ ذلك الحين. وقد قمنا خلالهما بالمراقبة وبإصدار التقارير حول القرارات الإسرائيليّة المختلفة، التي أدت إلى تقنين التسويق، وتحديد أنواع البضائع والأيام التي يسمح خلالها بتسويق هذه البضائع. وقد سرى العام 2016 تحت غيوم الوسم المسمّى “المنع الأمني”  الذي حلّ على الكثيرين من ضمن الفئات القليلة من الاشخاص في غزة التي يُسمَح لها أصلًا بالخروج من أراضي القطاع، بما يشمل (ولربما بالتحديد) التجار ورجال الأعمال. فمن يُفرَض عليه وَسم المنع الأمني فأنه بذلك يفقد حقّه في التنقّل، وتصبح تجارته وأعماله في خطر، كما وتتدهور أماكن العمل المرتبطة بمصالحه التجارية. هكذا أصبحَ الوضع، في نهاية العام 2016: نسب البطالة في غزّة بارتفاع مُستمر، وضع البنى التحتية في تدهور، والاقتصاد بمجمله لا يشهد، بالمطلق، انطلاقًا.

وقد عدنا وأجرينا لقاءات مع مُمثلين عن ثلاثة من القطاعات الصناعية والتجارية التي قمنا بإجراء مسح حولها في نهاية العام 2014، وذلك لكي نسمع منهم حول ما بقي من تفاؤلهم الحذر آنذاك. إن المنتجات الزراعية، صناعة الانسجة والملابس، وتكنولوجيا المعلومات في غزة، هي منتجات معروفة بجودتها. وكان من المتوقع أن يشكل فتح الأبواب أمامها لحظة مفصلية. وقد اتضح بأن ذلك التفاؤل الحذر قد ظل على حاله، ولكن، وكما هو حال ذلك التفاؤل، فإن سائر التحديات التي كانت سائدة آنذاك قد ظلّت على حالها هي الأخرى. تلخّصت النقاط الرئيسية التي طرحت في تلك اللقاءات بالتالي:

رفع أوامر الحظر الإسرائيلية والمعيقات امام تنقّل الأشخاص والبضائع هي أمرٌ أساسي وليس بالإمكان تحقيق النمو الاقتصادي من دونه.

كان العام 2016 أحد أصعب الأعوام في مجال حرية التنقل لتجّار غزّة، وأصحاب المبادرات الاقتصادية فيها، ورجال أعمالها.

لا يزال معبر كرم أبو سالم يفتقر للسقائف التي من شأنها أن تسهم في الحفاظ على المنتجات الزراعية من أضرار حالة الطقس.

التقييدات الإسرائيلية بخصوص تقييد ارتفاع البضائع على منصّات النقل الخشبية (مشطاح) (والتي تحدد الارتفاع الأقصى لكل منصة خشبية بـ 1.2 مترًا للبضاعة غير الزراعية) تجعل تكلفة نقل البضائع أكثر كلفةً.

معظم الإنتاج الزراعي في غزة لا يزال تسويقه محظورًا في السوق الإسرائيليّة، ولا ينبع هذا الحظر من اعتبارات صحّية. ورغم أن تسويق هذه البضائع في أسواق الضفّة الغربية مُتاح لكن وفق قائمة محدودة.

قائمة المواد التي تعتبرها إسرائيل “ثنائية الاستخدام” تؤدي إلى إجهاض إمكانيات نموّ المصالح التجارية هناك، وتعيق إمكانية استمرار عملها كما ينبغي.

أصحاب المبادرات في مجال تكنولوجيا المعلومات “هاي-تيك” في قطاع غزة ينظرون بأسف إلى كيفية خسرانهم لمناقصات كان من الممكن أن يفوزوا بها، وانتقالها إلى أيادٍ أخرى، وذلك بسبب عدم قدرتهم على الخروج من القطاع واستعراض قدراتهم ومستوياتهم العالية.

جزء 1
تكنولوجيا المعلومات
تكنولوجيا المعلومات
هبة التميمي موظفة في شركة التكنولوجيا Unit One في غزة

بعد نهاية العملية العسكرية “الجرف الصامد”، التقينا بسبعة من أصحاب شركات عاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات في قطاع غزّة، وقد قدّر أولئك بأنهم يبيعون نحو 15 بالمئة من المنتجات والخدمات التي يوفرونها في الضفّة الغربية. ورغم أنه للوهلة الأولى يبدو أن هذا القطاع أقل تعلقًا بتنقّل الأشخاص، وأنه بإمكانه التغلب على الحواجز وأوامر الحظر الإسرائيلية عبر استخدام الاتصالات الإلكترونية، إلا أن التقييدات الإسرائيلية المفروضة على التنقّل قد اضطرتهم إلى استبدال أسواقهم داخل الضفّة الغربية بأوروبا وبالدول العربية، لأن سفرهم، في أفضل الحالات كان مُتاحًا عبر معبر رفح.

وقد قدّر المشاركون انه وفي حال أتيحت لهم ولموظّفيهم إمكانية السفر إلى الضفّة الغربية، سيكون بإمكانهم تسويق ما بين 30 إلى 40 في المئة من منتجاتهم وخدماتهم بالضفة– وهذا يعني بأنهم سيكونون قادرين على مضاعفة نسبة مبيعاتهم هنالك. إلى جانب ذلك، فقد قدّر المشاركون بأن الشركات في غزة قادرة على توفير منتجات ذات مستويات جودة تعادل جودة المنتجات التي تعرضها شركات من الضفّة الغربية، بأسعار أكثر انخفاضًا، وذلك بسبب كَون الأيدي العاملة في غزة أقل كلفة.

لم تحظَ صناعة التكنولوجيا والاتصالات في غزّة بالتسهيلات القليلة التي حظيت بها صناعات أخرى بعد انجلاء العملية العسكرية الإسرائيلية “الجرف الصامد”. فقد خلقت التقييدات التي تفرضها إسرائيل على تنقّل الأشخاص والبضائع من غزة، رادعًا، ولم يعد زبائن من الضفّة الغربية يتوجهون إلى مزودي الخدمات من غزة لغرض تلقّي الخدمات. إن قدرة الموظفين على التنقّل، وبالذات رفيعي الشأن منهم كما يشهد العاملون في هذا القطاع التجاريّ، ضرورية لكي يتمكنوا من اقتراح حلول للمشاكل التي قد تنشأ لدى من يقومون بشراء خدماتهم، إلى جانب ضرورة مشاركتهم في “مَشهد” عالم صناعة التكنولوجيا الفائقة والتكنولوجيا بشكل عام في كل من الضفّة الغربية وإسرائيل. إنه من غير الكافي أن توقع الشركات في غزة على مشاريع جديدة، بل من المهم الخروج أيضًا من أجل مُتابعة التطورات في قطاع تكنولوجيا المعلومات في كل من الضفّة وإسرائيل، ولكي يتمكّنوا من اقتراح خدماتهم على شركات لجديدة.

هذا القطاع الصناعي هو قطاع شديد الحساسية لموضوع تزويد الكهرباء غير المنتظم في غزّة. كما وأن إسرائيل تقوم بحظر دخول معدات حيوية إلى غزة، التي تعتبرها مُنتجات “ثنائية الاستخدام” وبذا، فإنها تحجب عن الشركات العاملة في هذا القطاع في غزة آفاق التطور وزيادة نطاق الأعمال والخدمات التي توفرها.

أقيمت شركة يونيت وان (Unit One) في غزة عام 2005، وتختص هذه الشركة بتطوير البرامج والتطبيقات الخاصة بخدمات مختلفة، كما وأنها تقدم خدمات تلقيم المعطيات (حوسبة معلومات ومعطيات)، وتقدّم دورات تأهيل مهني. وقد قامت الشركة، من ضمن ما قامت به، بتطوير منظومات مُحوسبة وتطبيقًا خاصًا بعمل الهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية في غزّة، يتيح لأصحاب التوجّهات المختلفة لهذه الهيئة متابعة سير معالجة طلباتهم.

يدير هذه الشركة كل من سعدي لُظُن وأحمد أبو شعبان، وكلاهما يبلغان من العمر خمس وثلاثون عامًا. وقد كانوا حتى وقت قريب يشغّلون نحو 110 موظفين على النحو التالي: 75 موظّفة (تعملن بشكل أساسي في مجال تلقيم المحتوى. ويختلف عددهن بحسب المرحلة وبحسب ضغط العمل)، إلى جانب 35 مهندسًا موظفين بشكل ثابت.

العام الأوّل. يقول سعدي لظن: “شعرنا، بعد الحرب، بتحسّنات هامّة في ما يخص تنقّل الموظفين لدينا. فقد حصلت أنا شخصيًّا، على تصريح مدّته ثلاثة أشهر وكان يتم تجديده بشكل تلقائي. لقد أتاح الأمر لي ولشريكي الخروج إلى كل من إسرائيل والضفّة بشكل ثابت. قمت بإجراء اجتماعات كثيرة وجهًا لوجه، مع زملاء من شركات في الضفّة الغربية وفي إسرائيل أيضاً، كشركتي “إنتل” و”مايكروسوفت”. وإلى جانب ذلك، فقد سافرت إلى الأردن لإجراء لقاءات تجارية. إن حرية التنقّل النسبية هذه قد شكّلت رافعة هامّة لي من أجل عقد الصفقات بشكل سريع”.

“خلال العام الأول بعد انقضاء الحرب، قمت بعقد صفقات مع خمس شركات في الضفّة الغربية، كما وعقدت، للمرة الأولى، ثلاثة صفقات أخرى في إسرائيل، وذلك في مجال تزويد خدمات تصميم ورقابة على العمل. فعلى سبيل المثال، عملت مع شركة في غربي القدس تقدّم خدماتها في مجال الاتصالات للبورصات في كل من دبي والإمارات العربية المتحدة، وقد خَبِرنا معًا للمرة الأولى تجربة تزويد خدمات البرمجة. كما قمنا بتزويد خدماتنا كمزود خارجي، لصالح شركات في الضفّة الغربية. حصل اثنان من موظّفيّ على تصاريح خروج وانطلقا للالتقاء بممثلي الشركات التي عملنا معها في الضفّة الغربية. لقد أتاح الأمر للشركات هنالك إمكانية الاطلاع عن قرب على العمل الذي نقوم به”.

“قمتُ، خلال تلك الفترة، بتجنيد ثمانية موظفين جدد للعمل في هذه المشاريع، تقديراتي تشير إلى أن حجم عمل الشركة قد ازداد بنحو ثلاثين بالمئة بسبب هذه الصفقات. كان بإمكاني أن أسافر إلى الأردن وأن أطير إلى هولندا، وقد توفرت لدي إمكانية المشاركة في مؤتمرات، وان أستعرض خدمات شركتنا، وتوفير معلومات حول مجال تكنولوجيا المعلومات في القطاع. لقد أتى خبراء هولنديون إلى القطاع برفقة مستشارين من الحكومة الهولندية، وقد زاروا مكاتبنا ورأوا الخدمات التي نقوم بتقديمها”.

سعدي لظن (من اليمين) مع أحد المهندسين الذين يعملون في شركته

المَنع الأمني يعيق الاقتصاد

“في أيار 2016، شعرنا بتراجع كبير، وذلك نتيجة سياسات المنع الأمني التي اتخذتها إسرائيل. طلبي لتجديد التصريح قوبل بالرفض لـ”أسباب أمنية”. ورغم ذلك، فقد تم استدعائي لمقابلة أمنيّة، وفي أعقابها تم رفضي أمنيًا للمرة الثانية. وهذا ما حصل أيضًا مع شريكي ومع موظفي الشركة الذين حصلوا في الماضي على تصاريح خروج. لقد عدنا مجددًا إلى إدارة أعمالنا عبر الهاتف”.

“هنالك فارق عظيم بين إجراء الصفقات عبر الهاتف وبين اللقاءات التي تتم بشكل شخصي وجهًا لوجه. ففي لقاءات العمل بالإمكان تكوين انطباعات شخصية والانتباه للغة الجسد، وهي أمور تزيد من فرصي في إقناع الطرف الآخر بأنني قادر على تنفيذ العمل وتزويده بما يحتاجه. إن الشركات الإسرائيليّة، على سبيل المثال، معنيّة جدًا بالعمل مع شركات من غزّة، وذلك بسبب جودة العمل والكلفة المنخفضة، ولكن، وبسبب الحالة السائدة، وبسبب سهولة التنقّل النسبية ما بين الضفة الغربية وإسرائيل، تفضّل هذه الشركات العمل مع الضفّة رغم كل شيء. ثلاثة من الشركات الخمس التي نعمل معها في الضفّة تبيع في إسرائيل خدمات قمنا نحن بتزويدها بها”.

“نقوم اليوم بتشغيل 35 موظفة ففقط إلى جانب المهندسين الثلاثين الدائمين. إن هذا الانخفاض في التشغيل هو نتيجة مباشرة لسياسة المنع الأمني الإسرائيلي ولعدم قدرة شركتنا على إيفاد ممثلين وعقد صفقات بسبب أوامر المنع هذه”.

المواد “ثنائية الاستخدام”. “في بداية العام، تم تشديد الخناق بشكل كبير من ناحية التقييدات الإسرائيليّة المفروضة على دخول منتجات وأجهزة إلكترونية نستخدمها في عملنا. ومع تصاعد وتائر العمل، بدأنا بالتفكير في توسيع مكان عملنا. ولهذا الغرض كنا بحاجة لجهازي “سويتش” من إنتاج شركة “سيسكو” التي تملك فرعًا لها في إسرائيل. قدمنا طلبًا لشراء تلك الأجهزة التي تجعل الشبكة تعمل بشكل أكثر سلاسةً. وقد قمنا بإرسال صور لهذه الأجهزة وللأماكن التي سيتم تركيبها فيها للسلطات الإسرائيلية المختصة. وقد تلقينا ردًا قبل أسبوعين فقط، وكان الرد سلبيًا. كان هذا ردّا على طلب تقدّمنا به إلى الإسرائيليّين قبل نحو عام ونصف”.

“هذا ما حصل أيضًا فيما يتعلق بسائر أجهزة الاتصالات، بل وحتّى الكوابل، التي يحظر دخولها لشركات الاتصالات. نحن نستخدم كوابل تأتينا عبر الأنفاق، وتبلغ كلفة كل متر من هذه الكوابل 15 شيكل للمتر الواحد. هذا السعر يعادل خمسة أضعاف ثمن الكابل الذي نشتريه من إسرائيل، ناهيك عن جودته شديدة الانخفاض. هذه الأمور تعطّل عملنا. في هذه اللحظة، على سبيل المثال، نحن مضطرون إلى إيقاف عملنا على الشبكة وإطفاء الأجهزة بسبب ازدياد الضغط، وبسبب عدم قدرتنا على تحسين الوضع لأنه من غير المسموح لنا إدخال الأجهزة المطلوبة لذلك. هذا الأمر يتسبب لنا في خسائر، لأننا نضطر إلى وقف العمل لساعة أو ساعتين، وأن نوقف عمل الموظفين، ولا ننهي العمل في الوقت المحدد. وحينما لا نقوم بتسليم العمل في موعده فإننا لن نتمكن من دفع رواتب جميع الموظفين في موعدها”.

مكاتب شركة Unit One في غزة. نشهد نقص في المعدات بسبب التقييدات على دخول مواد “ثنائية الاستخدام”

الارتهان للكهرباء. “خلال شهر تموز الماضي، بلغت الكلفة التي دفعتها لكي أحصل على تزويد منتظم بالكهرباء للشقّتين اللتين نستخدمهما للعمل، بما يشمل شراء الوقود لاثنين من المولّدات، 600 دولارًا في الشهر. هذا يعني بأن كلفة الكهرباء قد باتت أعلى من كلفة استئجار المكاتب نفسها، وهذه كارثة اقتصادية. إن انقطاع الكهرباء يؤثر على سير العمل، كما أن الاتصال بالأنترنت، بالطبع، متعلّق بالكهرباء، هذا إلى جانب احتمال وقوع أضرار لقدرتنا على تخزين المعطيات”.

الوضع القائم اليوم. “عدنا، عمليًا، إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل اندلاع الحرب. لا يمكن العمل في ظل التقييدات التي تفرضها إسرائيل. في حالة كهذه ما من أحد، خارج غزّة، سيأخذنا في حساباته. إن سوق تكنولوجيا المعلومات يعتمد على الحضور في المؤتمرات وعلى عرض الخدمات وإجراء الصفقات وجهًا لوجه. الحديث هنا يدور حول سوق دولية لدينا فيها علاقات مع مزودي خدمات من أرجاء العالم. جميع من هم خارج غزة لديهم إمكانية السفر، ودعوة الخبراء لزيارتهم، والمشاركة في المؤتمرات؛ إن كنت أنا لا أستطيع المشاركة في هذا الأمر فإنني لن أتمكن من جلب عمل جديد”.

 

جزء 2
النسيج والملابس
النسيج والملابس
عاملات في ورشة نسيج في غزة. لا نخاطر بإنتاج بضائع للتسويق في سوق محدود

سمحت إسرائيل، بعد العملية العسكرية “الجرف الصامد”، بتسويق بضائع معينة من قطاع غزة في أسواق الضفّة الغربية، ومن ضمنها النسيج والملابس. في شهر تشرين ثاني من العام 2014، انطلقت الشاحنة الأولى المحملة بالملابس من قطاع غزّة إلى الضفّة. وفي آذار من العام التالي تم السماح بتسويق محدود جدا للبضائع من غزة في إسرائيل، بما يشمل النسيج أيضًا.

شارك أربعة من المنتجين الذين كان عملهم بشكل أساسي في مجال تسويق البضائع لإسرائيل، في المجموعة البؤرية التي عقدناها قبل عامين. وحين عدنا للتواصل معهم اليوم، اتضح لنا بأن أحد هؤلاء قد قام بتسويق بضعة شحنات في إسرائيل، أما الآخرون فلم يتح لهم الأمر مطلقًا. وقد تحدّثنا، بناءً على ذلك، مع أحد الصناعيين الذي يسوق بضاعته في الضفّة، رغم عدم مشاركته في المجموعة البؤرية التي عقدناها قبل عامين.

الكميّات التي يتم تسويقها. حوالي ثلاث شاحنات تخرج من غزّة باتجاه الضفّة الغربية في كل شهر. لم تتحقق خلال العامان الماضيان توقّعات المشاركين في بحثنا، الذين قدّروا في العام 2014 بأنهم سيكونون قادرين على تصدير نحو 30 شاحنة من الأنسجة والملابس شهريًا. هذا يعني بأن عدد الشاحنات التي تخرج اليوم من القطاع تعادل نحو 10 بالمئة مما توقّعه التجّار.

بحسب تصريح رئيس اتحاد صناعة الأنسجة والملابس في غزّة، تيسير الأستاذ، فإن مجمل مدخول هذا القطاع التجاري قد بلغ في العام 2016 نحو 8 ملايين شاقل، وهو ما يشكل ارتفاعًا بنحو 60 بالمئة مقارنة مع العام 2015. وبحسب أقواله، فإن هنالك نحو 26 شركة تقوم بتسويق منتجاتها إلى الضفّة من ضمن الشركات الـ160 المسجلة في الاتحاد، عدا عن 18 شركة تقوم بتسويق بضائعها في إسرائيل. إن التسويق في إسرائيل لا يظهر في الإحصائيات التي تشير الى خروج الشاحنات إلى إسرائيل عبر معبر كرم أبو سالم، وذلك بسبب مشكلة إصدار فواتير المقاصة، ولذا فإن الشاحنات تخرج إلى الضفّة أولًا، حيث يتم استكمال جميع المعاملات الضريبية هنالك، ومن ثم تواصل البضائع طريقها باتجاه إسرائيل.

عدد العاملين. في العام 2000 عَمل في قطاع الأنسجة 37 ألف عاملاً؛ أما في العام 2005 فقد عمل في ذلك القطاع نحو 25 ألف. وتشير تقديرات اتحاد صناعة النسيج والملابس في قطاع غزة أن عدد العاملين في هذا القطاع الصناعي خلال العام 2015 قد راوح الـثلاثة آلاف عاملًا، وشكل ارتفاعًا مقارنة مع العام 2014 حيث عمل في هذا القطاع ما يُقارب 2,500 عامل وعاملة  . وقد ارتفع عدد هؤلاء اليوم إلى خمسة آلاف عاملا، أي ما نسبته نحو 20 في المئة من عدد العاملين في هذا القطاع في العام 2005.

وكما أشار التجار قبل عامين، فإنهم ومن أجل أن يتمكنوا من التسويق والعودة إلى طاقة انتاجية تتراوح ما بين 40-50 بالمئة من الطاقة الانتاجية في فترة الذروة التي شهدها هذا القطاع، فعليهم أن يتعرفوا من جديد على السوق في الضفّة، وأن يجددوا علاقاتهم مع التجار هنالك. ليس من السهل التعرف على السوق بعد سنوات طويلة مُنعوا فيها من إقامة علاقات تجارية. إن التاجر يقوم بإرسال ما بين 500 إلى 1,000 قطعة في الطلبية الواحدة، وفي هذه الحالة فإنه من غير المربح له أن يموّل تكلفة النقل لوحده. إن نقل الحمولات عبر الشاحنات من المخزن في غزّة وصولا إلى حاجز ترقوميا قرب الخليل يكلف أكثر من 3,000 شيكل، ولذا فإن تجار غزّة يقومون بتجميع نقلياتهم ومن ثم يتقاسمون نفقاتها، وبذا يقومون بتوفير الكلفة العالية.

هذه الحالة قد تتغير للأسوأ بعد سحب إسرائيل آلاف التصاريح الخاصة بالتجار. ويشير رئيس الاتحاد، تيسير الأستاذ، إلى أن الفترة الأخيرة قد شهدت محاولات الاتحاد للالتقاء مع ممثلين في إسرائيل من أجل تحسين حالة التسويق وتعزيز العلاقات التجارية، لكن لأن تجار غزّة لم يعودوا يملكون تصاريحًا، فإن هذه اللقاءات قد تم إلغاؤها، وبناء عليه فإن التسويق إلى إسرائيل سيتأثر بشكل كبير.

 

نأمل التسويق في إسرائيل أيضًا

ماجد زقّوت، هو صاحب شركة الماجد لإنتاج الملابس الجاهزة، التي تنتج بنطلونات ومنتجات الجينز، ملابس الأطفال، وملابس شرعية للنساء. يعمل لدى ماجد 75 عاملا: “نحن نبيع في الضفّة ملابسًا شرعية، الجلابيب، منذ سُمح لنا بتسويق بضائعنا في الضفّة. الوضع الاقتصادي هنالك سيئ أيضًا، ولكننا رغم ذلك نجحنا بتطوير علاقات جديدة، ونحن نقوم بتسويق بضائعنا هنالك، حتى لو تم ذلك بكميات صغيرة”.

يقول زقوت بأنه وكنتيجة لقيامه بتسويق بضائعه للضفّة، ارتفع انتاج شركته وكذلك عدد العاملين فيها. فقبل السماح بتسويق البضائع في الضفّة، عمل في شركته ما بين 50 إلى 60 عاملا وعاملة. ويصل منسوب المبيعات في الضفّة اليوم إلى مبلغ يتراوح ما بين 100 إلى 200 ألف شيكل في الشهر الواحد، وذلك بحسب الموسم وحالة الطلب، هذه أرقام ليست ملحوظة، لكنها لا تزال أفضل من عدم البيع مطلقًا، يقول زقوت، وهكذا فإنه يرى في الأمر تحسنا وتطورا لشركته.

تعمل شركة الماجد مع وكيلًا رئيسيًا في الضفّة الغربية، حيث يقوم ببيع المنتجات إلى عدة شركات هنالك. وتقوم الشركة، تبعًا لذلك، ببيع ما بين 1,500 إلى 2,000 قطعة، أغلبها من العباءات. إن تسويق بنطلونات ومنتجات الجينز، المخصص لتلاميذ المدارس لم ينجح كما كان متوقعًا. ويقول زقوت بأنه وقبل فرض إسرائيل للإغلاق، كانت بنطلونات ومنتجات الجينز هي السبب الأساسي لنجاحه في الضفّة. لقد كان لديهم هنالك سوقًا واسعة جدًا، من الخليل إلى جنين، وقد كانت تجارته في غزّة حتى العام 2,000 قد ازدهرت بسبب قيامه بتسويق بضائعه للضفّة.

طريقة النقل. يقوم التجار بترتيب 20 صندوقًا كرتونيًا من الملابس على كل منصة خشبية (مشطاح)، يوضح لنا زقّوت. وفي كل صندوق كرتوني تدخل عشرة عباءات شتوية أو 18 عباءة صيفية. تبلغ كلفة المنصة الخشبية الواحدة (مشطاح) نحو 400 شيكل. وكانت كلفة النقل قبل فرض الإغلاق الإسرائيلي أقل بكثير، كما لم تكن هنالك، أساسًا، حاجة إلى إجراء تنسيق مسبق ومعقّد آنذاك.

ماجد زقوت، صاحب شركة لإنتاج الملابس، في مصنعه مع العمال. يعمل لديه 75 عاملاً ويقوم بتسويق بضائع للضفة الغربية

منذ أن سُمح بالتسويق للضفة عام 2015، ازداد عدد العمال في مصنع زقوت قليلاً وهو يلحظ تحسنًا، ويرى أفقًا لتطوير الشركة

نحن نبيع في الضفّة ملابسًا شرعية، الجلابيب، منذ سُمح لنا بتسويق بضائعنا في الضفّة. الوضع الاقتصادي هنالك سيئ أيضًا، ولكننا رغم ذلك نجحنا بتطوير علاقات جديدة، ونحن نقوم بتسويق بضائعنا هنالك، حتى لو تم ذلك بكميات صغيرة

"حاليًا ليس لدي شبكة العلاقات المطلوبة للتسويق في إسرائيل، لكني أستثمر الجهود المطلوب لبناء هذه العلاقات" 

يقوم التجار بترتيب 20 صندوقًا كرتونيًا من الملابس على كل منصة خشبية (مشطاح)، يوضح لنا زقّوت. وفي كل صندوق كرتوني تدخل عشرة عباءات شتوية أو 18 عباءة صيفية. تبلغ كلفة المنصة الخشبية الواحدة نحو 400 شيكل. وكانت كلفة النقل قبل فرض الإغلاق الإسرائيلي أقل بكثير، كما لم تكن هنالك، أساسًا، حاجة إلى إجراء تنسيق مسبق ومعقّد آنذاك.

بالمعدل، نقوم بتسويق من 1,500 إلى 2,000 قطعة شهريًا إلى الضفة الغربية، بالأساس عباءات.

لا تقوم شركة الماجد بتسويق بضائعها، في هذه المرحلة، إلى إسرائيل. يقول زقوت بأنه ليس لديه شبكة العلاقات المطلوبة، وهو يصب جهودًا تجارية وشخصية من أجل العثور على شركات مناسبة في إسرائيل لغرض التسويق لها، وذلك من خلال اللقاءات والاجتماعات التي تتم عبر وساطة الاتحادات في كل من غزّة وإسرائيل. في هذه المرحلة، يركّز زقوت جهوده على مسألة استمرار التسويق إلى الضفّة، حيث توجد شبكة علاقاته.

محمد أبو شنب، صاحب مصنع أبو شنب للمنسوجات، والذي شغل في السابق منصب رئيس اتحاد صناعات النسيج في غزّة، كان يعمل لديه، في الماضي، عشرة عُمّال. أما اليوم، كما يقول، فإن انتاج مصنعه يبلغ 10 بالمائة من قدرته القصوى على الإنتاج. يركّز أبو شنب اهتمامه على السوق الإسرائيليّة، إلا أن “الوضع صعب للغاية. فمعظم المصانع والمنتجين لا يعملون تقريبا. إننا، سويًا، نسوّق ما لا يزيد على شاحنة واحدة أو اثنتين على الحد الأٌقصى شهريا”.

اخبرنا أبو شنب قبل عدة شهور عندما اجرينا معه المقابلة، بأنه لم يبدأ بعد في إنتاج بضائع مخصصة لفصل الشتاء، لأنه ما من جدوى. “لم يبدأ الشتاء بعد ولا يزال من غير الواضح إن كان سيكون هنالك طلب على البضائع”. “حين يكون وضع السوق صعبًا”، يقول أبو شنب، “فإن عليك ألا تخاطر وألا تنتج بضائعًا لا تدري إن كانت ستباع”.

“إن فترات رمضان، والأعياد، وموسم العودة إلى المدارس هي فترات من المفترض أن تكون مواسم جيدة للبيع. لم يحدث الأمر هذا العام. لم يكن لدي يوم واحد عملت فيه بأقصى طاقتي الإنتاجية أو بشكل متواصل. ليس هنالك طلب على البضائع، وفي الفترات التي تتوقع فيها أن تزدهر أعمالك فإنك تجد نفسك عاطلًا، مخذولًا، وقلقًا”.

المنع الأمني. “ينبغي على التجار من غزة أن يشجعوا تجار الضفّة والتجار الإسرائيليّين للعمل معهم لكي يكون لدى تجار غزة مكانًا يسوّقون إليه، أما الآن فإن الوضع قد بات صعبًا جدًا، وذلك بشكل خاص بسبب أوامر المنع الأمني التي تفرض على التجار، إلى جانب سحب تصاريح التجار. إن خروج التجار هو أمر ضروري من أجل استمرار عملهم، ومن أجل إجراء لقاءات مع زملائهم وبهدف تشجيع البيع وعقد الصفقات”.

كما جاء قبل عامين في المجموعة البؤرية، فإن أبو شنب أيضًا يشهد على أن الناس في الضفّة يميزون البضاعة القادمة من غزّة؛ جودتها أعلى من جودة البضائع الآتية من تركيا والصين، اللتان سيطرتا على السوق في فترة غياب المنتج من غزة.

يقوم أبو شنب أيضًا بتسويق بضائعه إلى إسرائيل. وحسب قوله، فإن التجار الإسرائيليّين معنيين بشراء البضائع منه ولكنهم قلقون من أن يتدهور الوضع الأمني وأن يؤثر، بذلك، على تدفّق البضائع. وقد قام خلال هذا العام بتزويد يهود متدينين بالبضائع: قبعات دينية، ربطات عنق، وكلسات للأطفال.

في أعقاب المشاكل التي اعترت التسويق المباشر إلى إسرائيل، وتلك المتعلقة بإصدار فواتير ضريبية، افتتح أبو شنب مصنعًا في الضفّة. وبين شهري شباط حتى حزيران من العام 2016 قام بتسويق بضائعه من هنالك إلى إسرائيل. ويدعي أبو شنب بأن العمال في الضفّة أقل خبرة وأقل مهنيّة من نظرائهم في غزّة، وإلى جانب ذلك، فإن أجورهم أكثر ارتفاعًا. وقد اتضح بأن مشروعه في الضفّة غير مُربح ولذا قام بإغلاقه.

جزء 3
الزراعة
الزراعة
إبراهيم بشير، صاحب شركة تسويق زراعي في غزة. فُتحت أمامنا افاق جديدة للتسويق

التقينا قبل عامين، في إطار المجموعة البؤرية البحثيّة، بثمانية ممثلين عن قطاع الزراعة في غزّة، وكان من ضمن هؤلاء خمسة تجار ومزارعين تابعين لجمعيات ولتعاونيات زراعية، إلى جانب اثنين من التجار المستقلين ومختص في مجال التسويق الزراعي في الاسواق الخارجية لقطاع غزة. وقدّر هؤلاء آنذاك بأنه في حال إزالة التقييدات الإسرائيلية المفروضة على التسويق من غزة إلى الضفّة، فإنه سيكون بالإمكان في كل شهر تسويق 200 شاحنة محملة بالمنتجات الزراعية إلى الضفّة، أي ما نسبته نحو 30 في المئة من إنتاج غزّة الزراعي.

في بداية شهر تشرين ثاني 2014، انطلقت الشاحنة الأولى، محملة بالخيار، من غزّة إلى الضفّة، وقد كانت هذه هي الإرسالية الأولى بعد مضي سبعة أعوام من الحظر الإسرائيلي الشامل. إن أنواع المنتجات الزراعية التي بالإمكان تسويقها من غزّة إلى الضفّة محدودة، وبعضها موسمي، كالملفوف والقرنبيط، والتي تعدّ فرصة تسويقها قصر جدًا. ويتم تسويق المنتجات الزراعية إلى الضفّة في أيام مُحددة فحسب: أيام الأحد، الثلاثاء، والخميس. وفي يوم خروج المنتجات الزراعية، يتم إجراء فحوصات مخبرية يقوم بها موظفون تابعون لوزارة الزراعة الإسرائيليّة على معبر كرم أبو سالم، وهذا إلى جانب الفحوصات الروتينية للبضائع الداخلة والخارجة، وتستمر عملية فحص البضائع نحو ساعة.

الكميّات التي يتم تسويقها. بلغ المعدل الشهري لشاحنات المنتجات الزراعية التي يتم تسويقها من غزة إلى الضفّة بدءً من شهر تشرين ثاني 2014 وحتى شهر تشرين ثاني 2016: 67 شاحنة، وهي ثلث الكمية التي توقعها التجار. في شهر آذار من العام 2015 سُمح بتسويق البندورة والباذنجان من غزة في إسرائيل، وذلك بسبب حلول السنة السبتيّة اليهودية (سنة شميطاه، والتي تُحظر فلاحة، حراثة أو زراعة النبات، مرّة كل سبع سنوات في الأراضي المقدسة كما تحددها الشريعة اليهوديّة، حيث يمكن، بحسب الشريعة، أكل الخضار والفواكه المزروعة في الحقول التابعة لغير اليهود خارج الدّيار المقدسة)، وقد تم الأمر عبر حصة شهرية تبلغ 250 طن من البندورة و50 طن شهري للباذنجان. ومن المهم الإشارة إلى أنه حين تم السماح بتسويق البضائع الزراعية في إسرائيل، فقد طولب التجار من غزة بإرسال عينات عن منتجاتهم الزراعية من أجل فحصها في إسرائيل، وقد سُمِح من ضمن تلك المنتجات وقتذاك بتسويق البندورة والباذنجان فحسب. وذلك رغم أن التجار قد دفعوا ما يزيد على 25 ألف شيكل كرسوم للفحوصات، ولم يتلقّ التجار أبدًا نتائج تلك الفحوص. منذ شهر آذار 2015 وحتى شهر تشرين ثاني 2016، خرجت إلى إسرائيل، بالمعدل الشهري، نحو 24 شاحنة محمّلة بالبندورة والباذنجان: 250 طنا من البندورة و47 طنا من الباذنجان. في أشهر معينة خرجت كميات أعلى من الحصة الرسمية. في كانون الأول 2016 اشار منسق اعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق في رد وصل جمعية “چيشاه-مسلك” بأن الحصة الشهرية لتسويق منتجات زراعية من غزة الى اسرائيل ارتفعت الى 400 طن، دون تحديد الحصة حسب نوعية المنتج. في شهر كانون الثاني نُشرَ اجراء جديد ومحدّث “لوضع الاذونات في حالة الاغلاق” الذي يحتوي التغييرات المذكورة في الإجراءات.

طرح التجّار، قبل عامين، في إطار المجموعات البؤرية، نقطة هامة، قد يساعد تطبيقها في تخفيض كلفة نقل البضائع: إزالة التقييد الإسرائيلي الذي يَفرض بأن يكون ارتفاع البضائع المحملة على المنصة الخشبية (مشطاح) 1.2 مترًا، وهو ما تسبب بتقييد التجّار طيلة سنوات، ورفع أيضًا من تكلفة النقل. في شهر شباط 2016 صدر القرار بالسماح لتجار المنتجات الزراعية بتحميل البضائع حتى ارتفاع 1.50 مترًا على كل منصّة، وهو ما أدى إلى تخفيض كلفة النقل بشكل كبير. وقد تمثّل تخفيف آخر للتقييدات في إلغاء المطلب بنقل  البضائع داخل شاحنات مغلقة فقط.

إن معبر كرم أبو سالم ليس مُظللًا، وهو ما يُعرّض البضائع الزراعية للأمطار والشمس الحارقة، وقد حدث أكثر مرة أن فسدت البضائع جراء ذلك، وكل ما حصل عليه التاجر حينها هو فقط رسالة تعلمه بأن بضائعه قد فسدت ولم يتم إرسالها لوجهتها المُقررة. وقد طلب التجار من غزة في عدة مرات إقامة منطقة مغطاة داخل المعبر، بيد أن الأمر لم ينفّذ حتى اليوم.

تسويق التوت الأرضي. من المهم أن نذكر هنا بأنه وبعد شهرين من تسويق البضائع إلى الضفّة، فقد تمّ حظر تسويق التوت الأرضي طيلة العام 2015 بأسره، بسبب ادعاء تسرب هذا المحصول الزراعي إلى إسرائيل عبر الضفّة. وفقط في كانون ثاني من العام 2016 سمح بإعادة تسويق التوت الأرضي الى الضفة، بحصّة تبلغ حتى 150 طنّا في الشهر الواحد، خلال يومين في الأسبوع فحسب (بدلا من ثلاثة أيام، بحسب الإجراء الإداري الإسرائيلي الذي ينظّم تسويق البضائع الزراعية في الضفّة الغربية)، وعبر شركة تسويق فلسطينية من الضفّة، التي التزمت بفرض رقابة لمنع تسرّب المنتج إلى إسرائيل. وعلى أعتاب العام 2017، تم إلغاء هذا التقييد المتعلق بكل من الكمّية ومن وجود شركة وسيطة.

مزارع داخل دفيئة في غزة. في حال إزالة التقييدات، نتوقع ارتفاع بنسبة 60-70% بالتسويق

إبراهيم بشير، هو صاحب شركة البشير للتجارة، والمقاولات، واستيراد وتصدير الخضار والفواكه من دير البلح، وهي شركة تأسست في العام 1995. تعمل شركته بشكل أساسي في تسويق وتصدير الفواكه والخضار من غزّة إلى الضفّة، وإسرائيل، ودول الخارج، إلى جانب استيراد الفواكه من إسرائيل. ويتراوح عدد العاملين في شركته بين 10 إلى 15 عاملا، بحسب وتيرة العمل. ويتحدث بشير عن العقبات التي تعترض عمله التجاري:

يقول بشير: “منذ تمّ السماح بتسويق البضائع الزراعية إلى الضفّة قبل عامين، إلى جانب السماح بتسويق أنواع محدودة من البضائع إلى إسرائيل، نجحت شركتي في تسويق بضائع مختلفة من المنتوجات الزراعية إلى الضفّة وإلى إسرائيل أيضاً. لم نحقق الأهداف التي طمحنا إلى تحقيقها قبل عامين، لكننا نجحنا في تحقيق نحو 60 بالمئة من توقعاتنا. لقد انفتحت آفاق جديدة في مجال التسويق الزراعي. فأنا، على سبيل المثال، على مشارف إنهاء إقامة برّاد لتخزين المنتجات الزراعية، بدعم من الوكالة الأميركية للإنماء. ويعمل معي اليوم عشرة عمال لجمع المحاصيل من المزارعين وتجهيزها للتسويق والتصدير. كما أن هنالك انتعاش لدى المزارعين أنفسهم، حتى لو لم يتم تحقيق تطلعاتنا جميعها”.

كرم أبو سالم، سيء للخضار

“إن السوق الإسرائيليّة هي السوق الأساسية لسلّة الخضار التي تزرع في غزّة، وقبل فرض الإغلاق اعتدنا في شركتنا على تسويق 60 بالمئة من بضائعنا في إسرائيل. واليوم أيضًا، إذا ما تم رفع التقييدات، فإن السوق الإسرائيليّة تعدّ أكثر ربحية بالنسبة لي من السوق في الضفّة. لقد طلب التجار الإسرائيليين منتجات زراعية إضافية غير البندورة والباذنجان، إلا أنني أنا والتاجر الإسرائيليّ ملزمين بقرارات الحكومة الإسرائيليّة. إن سحب التصاريح الخاصة بالتجار قد تحول إلى عقبة كبرى في وجه عقد صفقات كبيرة. أنا لا أملك تصريح خروج منذ خمسة شهور بذريعة “المنع الأمني”، والأمر يسبب لي مشاكل جدّية. فعلى سبيل المثال، أقوم هذا اليوم بتصدير البصل للمرة الأولى إلى السعودية عبر جسر أللنبي. أنا لا أستطيع أن أصل إلى الأردن لكي أشرف على تقدّم الأمور ولتسريع الإجراءات أمام جهات المكوس والسلطات، ومقابل التجار في الأردن، وهم الذين يقومون بدور الوساطة بيني وبين الجهة المُشترية. انا مضطر للقيام بكل ذلك عبر الهاتف. حضوري هنالك كان بالإمكان أن يعود بفائدة كبرى على هذه العملية. إن حرية التنقل ستسمح لي بتطوير الشركة أكثر وستتيح لي أن أصل إلى أسواق وزبائن وأن اسرّع من وتيرة العمل”.

معبر كرم أبو سالم. “هنالك مشكلة إضافية هي الظروف السائدة في معبر كرم أبو سالم. فبعد أن قمنا بحل مسألة ارتفاع المنصات الخشبية (المشطاح)، باتت المشكلة الكبرى الآن هي تغطية المعبر، خصوصًا في فصل الشتاء. لقد تطلبني الأمر بالأمس لشراء غطاء من النايلون لكل منصة خشبية محملة بالبصل. إن تغطية البضائع تكلفني نحو 100 دولار للشاحنة الواحدة، هذا إلى جانب جميع التكاليف العالية أصلا المرتبطة بنقل البضائع في القطاع، داخل المعبر، وما بين المعبر والمآل النهائي للبضائع. لقد كان بالإمكان توفير هذه التكلفة فيما لو كان المعبر مسقوفًا”.

“إن فتح المجال أمام التسويق قد تسبب في انتعاش معين للزراعة في غزّة. وأنا أقدّر بأن هنالك مساحات كبرى من مزارع الخضروات من أنواع مختلفة في هذا الموسم. كنا نشتري البصل، على سبيل المثال، من إسرائيل، أما اليوم فهنالك كمية كبيرة في غزّة وقد بتنا نصدّرها إلى دول الخارج. كما أن هنالك كميات أكبر من البندورة،ـ خصوصًا داخل الدفيئات الزراعية. هنالك أيضًا الباذنجان والفلفل الحلو بكميات مضاعفة عما كان موجودا في الماضي”.

زراعة في غزة. حرية تنقل ستتيح تحقيق نمو إضافي

التسويق إلى إسرائيل. “إن التجار في كل من الضفة وإسرائيل قد بدأوا بالتفكير من جديد في قطاع غزّة وفي منتجاته. بشكل شخصي، طرأ ارتفاع بنسبة 40 بالمئة على نشاطي التجاري منذ فتح التسويق. نحن ننظر أبعد ونطمح إلى زيادة تبلغ 60 بل و70 بالمئة، الأمر ممكن في حال رفع التقييدات الإسرائيلية. في حال وتم توسيع التسويق إلى إسرائيل، فإنني أتوقع، بشكل شخصي بأن أقوم بتسويق 30 شاحنة شهريًا. أما اليوم فإن لدي ثمانية عمال وشاحنتين، وبإمكاني أن أشغّل 14 عاملا إلى جانب شاحنة إضافية”.

“بالنسبة لجميع المسوّقين، فإن كلفة الشاحنة التي تجلب البضاعة من الحقل إلى معبر كرم أبو سالم تبلغ 650 شيكل. إلى جانب 20 شيكل ضريبة للجانب الفلسطيني، 500 شيكل لتفريغ البضاعة وإعادة تحميلها؛ عدا عن 200 شيكل على استصدار تصاريح إدخال إلى إسرائيل. إن كلفة كل شاحنة لنقل البضاعة من كرم أبو سالم إلى الضفّة أو إسرائيل تتراوح ما بين 2,500 حتى 3,000 شيكل، من ضمنها 700 شيكل تدفع كضرائب، من قبل شركة النقل إلى وزارة الأمن الإسرائيليّة. لقد طرأ انخفاض طفيف على كلفة النقل إلى إسرائيل، وذلك بسبب كوننا نعمل مع سائقين معينين بشكل ثابت، وقد صاروا أكثر مراعاة لنا”.

إنعاش قطاع الزراعة. “هنالك مشاكل أيضاً داخل غزّة. فوزارة الزراعة تطالبنا بدفع ضريبة تبلغ 2.5 دولارا على كل طن من الخضار قمنا بتسويقه إلى خارج القطاع، بأثر رجعي، منذ بدء التسويق قبل عامين”.

“يملؤني الأمل، وأنا متأكد من أننا قادرين على إعادة الزراعة إلى حالتها قبل فرض الإغلاق. لدينا الإمكانيات والرغبة بالاستمرار بالتقدم. لقد قمت بإعادة نسج علاقاتي مع تجار في كل من الضفّة وإسرائيل، إلى جانب الأردن والسعودية. التحسن في الزراعة سيؤثر أيضًا بشكل عام على الوضع الاقتصادي في القطاع، والذي تعدّ الزراعة إحدى أهم المهن فيه. سنتمكن من جديد من خلق آلاف أماكن العمل للمزارعين العاطلين عن العمل”.

جزء 4
خلاصة واستنتاج
خلاصة واستنتاج

التفاؤل الحذر والأمل في إعادة إنعاش وازدهار الاقتصاد لا زال موجودًا. لقد طرأ تقدم معين على ما كان عليه الوضع الاقتصادي في أسوء فتراته، حين لم يكن هنالك تسويق بالمطلق للمنتجات من غزة في الأسواق الأساسية لغزّة، أي في الضفّة وإسرائيل. من الواضح أيضًا بأن التقدم حتى الآن لا يزال صغيرًا وبطيئًا مقارنة بالممكن. لا زال هنالك إمكانية للتغيير، وهو مرتبط بشكل كبير بالسلطات الإسرائيليّة: فتح الإمكانيات لإقامة علاقات مستمرة مع الأسواق والشركاء التجاريين في كل من الضفّة وإسرائيل؛ وضمان نقّل بضائع المنتجين والمسوّقين بوتيرة ثابتة وسلسة تشكل شروطًا مسبقة ضرورية للتطور والازدهار الحقيقي للاقتصاد.

ينبغي وقف هذا الاستخدام العشوائي التعسفي وعديم المسؤولية المتمثل في أوامر المنع الأمني، والتي أدى استخدامها بهذه الوتيرة خلال العام 2016 إلى إلحاق أضرار جسيمة بجمهور التجّار ورجال الأعمال في غزّة. إن جميع الجهات في إسرائيل، بما يشمل المستويات السياسية العليا وقمة الهرم الأمني، يعترفون بأن تحسن الاقتصاد في غزّة سيجلب الفائدة حتى لإسرائيل نفسها. إن هذه التقييدات الشاملة المفروضة على التطور الطبيعي والصحي للاقتصاد منافي للالتزامات التي أعلنت عنها إسرائيل، تنتهك الحق في حرية التنقل، وتتعارض مع مصلحة سكان المنطقة بأكملها.