غزّة: نظرة من الداخل

نسبة البطالة في بداية عام 2020 بلغت 46 بالمئة، هذا قبل أن يتم تشديد التقييدات على التنقل “في إطار مكافحة فايروس كورونا” وإعلان السلطة الفلسطينيّة عن وقف التنسيق مع إسرائيل، الى جانب الانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي، والنقص الحاد في المياه النظيفة، كما النقص في الغرف التعليمية والفرص الاقتصادية. مجتمع شاب جدا، مثقف وصاحب إمكانيات هائلة، أما احتمالات نجاحه فيخنقها الإغلاق المستمر. هكذا تبدو الحياة في قطاع غزّة.

التالى
صورة: 23

منذ تنفيذ خطة “فك الارتباط” على أعتاب صيف 2005، افترض الكثير من الإسرائيليّون بأن إسرائيل قد قامت، عبر تنفيذها للانفصال، بغسل أيديها من موضوع قطاع غزّة وبأنها لم تعد تتحمل أيّة مسؤوليات عما يحدث هناك. إلا إن إسرائيل تواصل منع الخروج والدخول من وإلى قطاع غزّة عبر البحر والجو، إلى جانب سيطرتها على جميع المعابر البريّة إلى القطاع باستثناء معبر واحد وهو معبر رفح. تقوم إسرائيل بفحص وتصنيف جميع البضائع المخصصة للدخول إلى غزّة، كما أنها تطالب بمعرفة الأهداف التي خُصصت من أجلها هذه البضائع، ومن هم الذين يستلمونها ومن هم الذين يموّلونها. كما وتقرر إسرائيل أي المنتجات من غزة ستُسَوَّق، ما هي الحصّة المسموح تسويقها، إلى أين ومتى. وهي تقرر أيضًا كميّة الكهرباء التي ستبيعها للقطاع، وتقلص الكميّة كما تريد. هذا الواقع ليس انفصالًا؛ هذا يسمّى، نسبيًا، سَيطرة عن بعد.

مُلخّص للتطوّرات الأخيرة

في 11 أيلول 2005 قامت إسرائيل بسحب آخر جنودها من قطاع غزّة. وفي العام 2007، وبعد أن سيطرت حماس بالقوة على القطاع، أعلن المجلس الوزاري السياسيّ الأمنيّ المصغر “الكابينِت” عن غزّة باعتبارها “منطقةً معادية” وشدد بشكل حاد التقييدات المفروضة على سكّان القطاع: تمّ تقليص دخول البضائع إلى الحدّ الأدنى، وهدفها كان فقط لمنع حدوث أزمةٍ إنسانيّة في غزة؛ كما وتم فرض منع تام على خروج البضائع من القطاع لأغراض التّسويق؛ إلى جانب تقييد دخول الوقود إلى غزة، عدا عن التقييدات المُشدّدة جدًا على تنقل الأشخاص بين قطاع غزّة وبين الضفّة الغربيّة وإسرائيل، والتي كانت أصلًا، منذ سنوات، حركة تنقّل مُقلصة ومحدودة.

مع مرور السنوات تطوّرت طريقة عمل، أطلقت عليها جهات في الجيش الإسرائيلي اسم” سياسة الفصل“، ومغزاها يتلخّص في الجهود لفصل قطاع غزّة عن الضفّة الغربيّة: الإثقال على العلاقات بين طرفيّ الأرض الفلسطينيّة، هذان الطّرفان لم يكن مفترضًا بهما فحسب أن يشكّلا الدولة الفلسطينيّة بحسب القرارات الدوليّة والاتفاقيات، بل إنهما يتشاركان اللغة، الثّقافة، الاقتصاد، والعلاقات العائليّة فيما بينهما. وقد أوضحت جهات أمنيّة اسرائيلية في السابق بأن سياسة الفصل هذه هدفها الضّغط على سلطة حماس ومساعدة السّلطة الفلسطينيّة، إلا أنّ هذه السّياسة في الواقع تخدم أهدافًا ليست بالضرورة أمنية، بل ديمغرافية-سياسية: تقليص عدد الفلسطينيين الذين يسكنون الضفة الغربية، إضعاف المؤسسات الفلسطينية التي يفترض ان تكون أساسًا لبناء دولة، وتعزيز خطة الضم الإسرائيلية على حساب حقوق الانسان. نتيجة لهذه السياسة، لا يستطيع الطّلبة الجامعيين من غزة التّعلم في جامعات الضفّة الغربيّة؛ وقد جرى في السّابق منع الطّواقم الطّبيّة، ومؤسسات المجتمع المدني والأكاديميّين والخبراء والتقنيّين من التنقّل، حتى لو كان هدفهم هو التّأهيل والاستكمال المهنيّ. إنّ العائلات المنقسمة بين غزة والضفة غير قادرةٍ على الالتقاء، إلاّ في حالات استثنائية، كالزّواج، حالات الوفاة، أو أمراض مزمنة. والمسموح  لهم بالمطالبة باستصدار تصاريحٍ من الجهات الإسرائيلية للأسباب آنفة الذّكر، فهم فقط الأقارب من الدرجة الأولى.

بعض التقييدات ألغيت أو تغيّرت مع مرور الوقت، كما سنفصل لاحقًا، أمّا المبدأ فظلّ كما كان رغم أنّ هذه التقييدات لم تحقق أهدافها الأصليّة، “إسقاط حماس” (بالعبرية)، ولم تمنع إطلاق الصواريخ باتجاه التجمّعات السكّانيّة الإسرائيليّة. ورغم عرض التقييدات، في الكثير من الأحيان، على أنّها نابعة من حاجةٍ أمنيّة، إلا أن المعلومات التي تظهر هنا تثبت أنّها، كما أسلوب تطبيقها، لا تهدف بالضرورة لمواجهة تحدّيات أمنيّة. أدت هذه التقييدات إلى تدهور الأوضاع في قطاع غّزة، حتّى بات خبراء الأمم المتّحدة يفيدون بأن القطاع لن يكون منطقة صالحةً لسكن الإنسان حتّى العام 2020. الأوضاع السيئة أصلاً، تفاقمت منذ آذار الماضي مع تفشي الوباء العالمي بسبب تشديد التقييدات التي تفرضها اسرائيل على تنقل الأشخاص في معبر ايرز، والتي تم تقديمها كإجراءات احترازية لمنع تفشي الوباء، إضافة إلى وقف التنسيق من قبل السلطة الفلسطينية في أيار 2020، الخطوة التي اتخذتها السلطة ردًا على إعلان إسرائيل نيّتها ضم أجزاء من الضفّة الغربيّة رسميًّا. كل هذا أدى إلى ضرر اضافي باقتصاد غزة، خاصة في سياق الأزمة الاقتصادية العالمية.

يُرجى الضغط على الخارطة لتكبيرها

جزء 1
تنقّل الأشخاص
تنقّل الأشخاص

الإنسان أوّلاً

معبر إيرز, 2019. تصوير: أسماء الخالدي

هنالك معبران فقط لتنقل الأشخاص من غزّة وإليها: معبر رفح نحو مصر، وإيرز نحو إسرائيل. عندما يتم إغلاق معبر رفح، يبقى معبر إيرز الخاضع للسيطرة الإسرائيليّة البوّابةً الوحيدةً للخروج من غزّة والدخول إليها. وهو الطريق الوحيد إلى الضفّة الغربيّة أيضًا، والتي تسيطر إسرائيل على المعابر المؤدّية إليها كذلك.

العبور عبر إيرز مشروط بحيازة تصريح إسرائيليّ، يمنح لمن يستوفون الشروط الواردة في قائمة معايير ضيّقة ومتغيّرة تقرّها إسرائيل. ويحدث أحيانًا أن ترفض إسرائيل السماح بخروج أشخاص عند وصولهم إلى المعبر، رغم أنهم يمتلكون مثل هذا التصريح. يتلقّى تجّارٌ بلاغات تفيد بسحب تصريحهم بسبب “منع أمنيّ” دون أيّ تفسيرات أخرى، حتّى حين يكون هؤلاء رجال أعمالٍ قدامى ومعروفين ممن خرجوا ودخلوا على مدار سنوات وتاجروا (بالأساس اشتروا من) داخل إسرائيل.

بالإضافة إلى التقييدات الصارمة على حركة الفلسطينيين التي يتم فرضها بشكل روتيني، كثيرًا ما تتبع إسرائيل إغلاق المعبر أمام تنقل الفلسطينيين كإجراء عقابيّ بهدف الضغط على السكان المدنيين. عادة يتم تأطير القرار كرد على أحداث أمنية مختلفة، حتى مع عدم حدوثها بالقرب من منطقة المعبر. مثال على ذلك، قرار اسرائيل بإغلاق معبر إيرز ردًا على المظاهرات الأسبوعية، التي انطلقت في 30 آذار 2018 واستمرت طوال عام 2019; أو على إطلاق قذائف باتجاه إسرائيل او على هجوم إسرائيلي على قطاع غزة.

العبور من خلال المعبر، خلال أيام عمله، ممكنًا لمن يلائمون ثلاث فئات: من يحملون تصريحٍ تجاريّ، المرضى ومرافقيهم، والحالات التي تعرّفها إسرائيل كحالات “إنسانيّة استثنائية” – زواج أو جنازة أقارب من الدرجة الأولى، أو زيارة قريب محتضر. المدّة الزمنيّة التي تستغرقها معالجة الطلبات، حتّى تلك التي تفي بالمعايير الضيّقة، طويلة بشكلٍ مبالغ به. وفقًا للإجراءات الاسرائيلية الرسمية، معالجة طلبات الخروج بهدف زيارة أحد الوالدين أو ابن مريض يمكن أن تستمر حتّى 50 يوم عمل؛ طلب مريض للخروج من القطاع بهدف تلقّي علاج طبيّ قد يبقى قيد البحث لأكثر من 23 يوم عمل، حتّى لو كانت مواعيد العلاج التي تحدّدها المؤسسة الطبيّة عاجلةً وقريبة. في كثير من الحالات، لا ترد السلطات في إسرائيل على الطلبات في الوقت المحدد، أو لا ترد عليها على الإطلاق.

بلغ المعدل الشهري لخروج الفلسطينيين عبر معبر إيرز 14,960 حالة خلال عام 2019، وهو ارتفاع بنسبة 43% مقارنة بالمعدل الشهري في عام 2018 (الذي بلغ 8607 حالات خروج) ورغم الارتفاع بالأعداد، الا انها تبقى ضئيلة جدا نسبة للفترة التي سبقت اندلاع الانتفاضة الثانية، ففي العام 2000 سُجل خروج حوالي نصف مليون عامل فلسطينيّ عبر ايرز للعمل في إسرائيل شهريًا.

التقييدات الاضافية التي فرضت على الحركة والتنقل في معبر إيرز منذ 8 اذار 2020 بسبب عطلة عيد المساخر، مستمرة منذ ذلك الوقت تحت غطاء انتشار وباء كورونا. الدخول الى القطاع مقتصر بالأساس على عودة الفلسطينيين سكان القطاع. الخروج من القطاع مقتصر على المرضى الذين يحتاجون الى علاج غير متوفر في غزة. في شباط 2020، الشهر الأخير قبل تشديد التقييدات، سجلت 21,032 حالة خروج. في نيسان وأيار 2020، انخفض عدد حالات الخروج إلى 222، أي نسبة واحد بالمائة من الاشهر العادية.

في أيار 2020، قررت السلطة الفلسطينية وقف التنسيق مع إسرائيل، بما في ذلك التنسيق المدني بين ممثليها في قطاع غزة والسلطات الإسرائيلية. خلافا لواجبها بالقيام بذلك، لم تحدد إسرائيل آلية بديلة يمكن من خلالها لسكان غزة التقدم بطلب للحصول على تصاريح العبور من غزة وإليها، إلا في “الحالات الطبية العاجلة“(بالإنجليزية).

لماذا لا يخرجون عبر مصر؟

النقطة الحدوديّة بين قطاع غزّة ومصر هي معبر رفح. منذ النصف الثاني من العام 2012 وحتّى منتصف العام 2013 عمل المعبر بشكلٍ منتظم وسُجلت فيه 40 ألف حالة خروج ودخول شهريًّا. تغير هذا الوضع في شهر تموز 2013، حيث تم إغلاق المعبر لمعظم الوقت حتّى إعادة عمله مجددًا بشكل أكثر انتظامًا في أيّار 2018 مع بداية أحداث مسيرة العودة وتأزّم الأوضاع الإنسانيّة في القطاع. نظرا ً للوضع الاقتصادي الصعب، انتهز عدد كبير من الشباب (بالإنجليزية) فرصة فتح المعبر للخروج والبحث عن مستقبل أفضل خارج غزة.

في اذار 2020 أغلقت مصر المعبر بسبب خطر انتشار الكورونا، ويسمح من وقت لآخر بعودة منظمة لسكان غزة من مصر. بقي المعبر مغلقًا خلال شهري نيسان وأيار 2020 حيث انخفض عدد حالات الخروج إلى مصر إلى الصفر، بالمقابل سجلت 2,804 حالة دخول الى غزة.

حتى عندما يتم فتح معبر رفح بشكل منتظم، يسمح بالخروج عن طريقه فقط لمن يستوفون المعايير التي تحددها مصر وبشرط التسجيل المسبق: سكّان غزّة أصحاب الجوازات المصريّة أو الأجنبيّة، المرضى ممن يملكون تحويل رسميّ للعلاج الطبيّ، الطلّاب أو المواطنين الذين يملكون تأشيرة دخول إلى دولة ثالثة بسبب عملهم أو بسبب وجود عائلتهم هناك. الكثيرون ممن يريدون السفر لا يستوفوا هذه المعايير. فترة الانتظار للحصول على تصريح للمرور عن طريق رفح طويلة، والسفر عن طريق سيناء معقّد وخطير في كثير من الأحيان. من يخرج عن طريق معبر رفح لا تسمح له إسرائيل بالعودة عن طريق معبر إيرز. المرور عبر رفح ليس حلاً للأشخاص الذين يريدون الوصول من غزة إلى إسرائيل أو الضفة الغربية. كما أن الدخول إلى الضفة الغربية، حتى عن طريق الأردن ، مشروطة بالحصول على تصريح إسرائيلي.

منذ أيار 2018 حتى نهاية شباط 2020، سجل في معبر رفح 5231 معدل دخول شهري الى غزة و6610 معدل خروج منها.

 

500,000
المعدّل الشهري لحالات الخروج عشية الانتفاضة الثانية
قُبيل الانتفاضة الأولى، وصل عدد حالات العبور في إيرز إلى عشرات الآلاف يوميًا
14,690
خروج ودخول عبر "إيرز" (معدّل شهري 2019)
الخروج محصور على قائمة ضيّقة جدًا من المعايير الإسرائيلية، وبالرغم من ذلك، على من يفي بالمعايير المطلوبة أن يجتاز فحص أمني. في فترات مُتقاربة، يتم إرجاع حملة التصاريح إلى غزة بعد أن كانوا قاموا بكامل التحضيرات للخروج
239
حالات خروج عبر "ايرز"(معدّل شهري نيسان _تموز 2020)
انخفاض الى 1% بالمقارنة مع شباط، الشهر الأخير الكامل قبل تشديد الاغلاق تحت غطاء الخوف من انتشار وباء كورونا (21,032) حالات خروج.
40,000
المعدل الشهري لحالات الخروج والدخول لعام 2013
في النصف الأول من العام 2013، حين عمل معبر رفح كالمُعتاد، تم تسجيل عشرات الآلاف من حالات الدخول والخروج شهريًا
12,172
خروج ودخول عبر "رفح" (معدّل شهري 2019)
عمل المعبر لخروج الأشخاص من قطاع غزة 17 يومًا فقط في منذ بداية العام الجاري (2017) وحتى نهاية الربع الثالث.
705
حالات دخول عبر معبر رفح (معدّل شهري نيسان _ تموز 2020)
انخفاض الى 12% بالمقارنة مع شباط، الشهر الأخير الكامل قبل تشديد الاغلاق تحت غطاء الخوف من انتشار وباء كورونا (5,973 حالات دخول).

جزء 2
نقل البضائع
نقل البضائع

العامل الأهم للتطوير الاقتصادي

منذ فرض الإغلاق الإسرائيليّ على قطاع غزة عام 2007 وحتّى أحداث أسطول “مافي مرمرة” عام 2010، منعت إسرائيل دخول قائمة طويلة من البضائع المدنيّة إلى قطاع غزّة؛ منها الكزبرة، ورق المرحاض، ألعاب الأطفال والشكولاتة. عمليًا، احتوت القائمة التي لم تُنشر أبدًا على أنواع سلعٍ سُمح بدخولها إلى غزّة – بينما مُنعت كلّ البضائع الأخرى. هذه الأيّام، تسمح إسرائيل بدخول معظم البضائع، إلا أنّها تقيّد بشدّة، حتى أنها تمنع، دخول السلع التي تعتبرها “ثنائيّة الاستخدام”، وهي السلع التي ترى إسرائيل أنها قابلة للاستخدام لأهدافٍ عسكريّة.  ويُدرج هذا النوع من السلع في قائمةٍ طويلة وضبابيّة تتضمّن معدّات طبيّة، معدّات اتصالات، ومواد ضرورية لقطاع الزراعة والصيد. وجود قائمة كهذه يحد بشدة من إمكانيات التطور الاقتصادي في القطاع. وبعكس الأخبار التي انتشرت في صيف 2019 حول “تسهيلات” في الإغلاق كجزء من جهود التسوية بين إسرائيل وحماس، وتخللت إزالة مواد معينة من القائمة، إلا أن إسرائيل لم تقم بإزالة أي من المواد. تواصل إسرائيل فرض التقييدات على دخول مواد حيوية للقطاع.

مواد البناء الأساسيّة، مثل الاسمنت والحديد، المعدّة لمشاريع بتمويلٍ دوليّ أو لمشاريع خاصة كثيرة، تدخل إلى غزّة بشكل شبه حصريّ في إطار منظومة تنسيق دخول مواد بناء لإعادة إعمار القطاع، وهي منظومة أقيمت بحسب طلب إسرائيل وبالتنسيق مع السلطة الفلسطينيّة وبإشراف الأمم المتّحدة، وذلك إثر العمليّة العسكرية الإسرائيليّة “الجرف الصامد” (منظومة GRM). أما قائمة السلع “ثنائيّة الاستخدام” التي تديرها هذه المنظومة فتشمل آلاف السلع. في بداية عام 2020 سمحت إسرائيل بدخول نوع من الاسمنت، خارج إطار منظومة GRM.

خروج البضائع للتسويق خارج القطاع هو حاجة حيوية للاقتصاد. أعلنت إسرائيل في نهاية العام 2014 عن إزالة إحدى التقييدات الاقتصاديّة الأشد التي فُرضت على غزّة منذ صيف 2007: منع تسويق البضائع من غزّة إلى الضفّة الغربيّة. خرجت لأول مرة في تشرين ثاني 2014، وبعد سبع سنوات، شاحنة محمّلة ببضائع أنتجت داخل غزّة في طريقها إلى أسواق الخليل. بعدها، تم تسويق أثاث وملابس ومنتجات زراعيّة من القطاع. المواد الزراعيّة التي يُسمح بتسويقها في الضفّة الغربيّة وفقا لقائمة منسق اعمال الحكومة: بندورة، خيار، فلفل، باذنجان، كوسى، بطاطا حلوة، توت أرضي، ملفوف، قرنبيط وتمر. البصل مدرج أيضا في القائمة لكن تسويقه الى الضفة الغربية غير ممكن. ليس من الواضح (بالعبرية)  لماذا يُسمح بهذه القائمة فقط. في آذار 2015، سمحت إسرائيل ببيع البندورة والباذنجان من قطاع غزّة في بعض الأسواق المحدودة في إسرائيل. يمكن تسويق البندورة والباذنجان من غزة في إسرائيل بحصة لا تزيد عن 400 طن في الشهر. يُسمح بتسويق الأثاث أيضًا في إسرائيل، كما الملابس وخردة المعادن.

غزّة: التسلسل الزمني للإغلاق
1947 - 2020 حرّكوا المسطرة يسارا لمشاهدة نظرة تاريخيّة عامّة
29.11.1947
إقرار خطة التّقسيم الصّادرة عن الأمم المتّحدة. قطاع غزّة يندرج ضمن حدود الدّولة الفلسطينيّة
15.04.1948
الإعلان عن إقامة دولة إسرائيل ونشوب حرب 1948. خلال الحرب، الكثير من اللاجئين الفلسطينيّين من مناطق المركز والجنوب يتجمّعون في غزّة
24.02.1949
توقيع اتفاقية الهدنة مع مصر، وهي الاتفاقيّة التي تركت القطاع تحت الحكم العسكريّ المصريّ
05.06.1967
إسرائيل تحتلّ غزّة خلال حرب الأيّام الستة
01.01.1972
"تصريح الخروج العامّ" يتيح للفلسطينيّين من كلٍّ من غزّة والضفّة الدخول إلى للمناطق الإسرائيليّة والعمل فيها خلال النهار
09.12.1987
اندلاع الانتفاضة الأولى بداية في غزّة، ومن ثم امتدادها إلى الضفّة الغربيّة. سيتفشى العنف خلال السّنوات اللاّحقة وتتصاعد وتيرته (صورة: غزّة، 1987. تصوير : عنات سراغوستي)
10.02.1991
إلغاء "تصريح الخروج العامّ"، وتحوّل التقييدات المفروضة على تنقل سكّان القطاع إلى تقييدات مشدّدة جدّاً
01.04.1994
توقيع اتفاقيّة القاهرة القاضية بنقل مناطق غزّة وأريحا إلى السّيطرة الفلسطينيّة
01.01.1995
إسرائيل تبني جدارًا حول غزّة
25.10.1999
فتح المعبر الآمن بين قطاع غزّة والضفّة الغربيّة
27.09.2000
اندلاع الانتفاضة الثّانية. تمّ إغلاق المعبر الآمن. فرض تقييدات مشددةٍ على الحركة والتنقل في معبر إيرز. إسرائيل تغلق مطار غزّة. منع الطلبة الجامعيون من غزة من الدراسة في الضفّة الغربيّة
11.09.2005
استكمال خطة "فك الارتباط" وخروج الجيش الإسرائيليّ من أراضي القطاع بعد 38 عاماً. فرض تقييدات على التجارة مع غزّة
15.11.2005
توقيع اتفاقيّة المعابر. تمنح الاتفاقيّة إسرائيل صلاحيّات واسعةً في مسألة تنقّل الأشخاص من غزّة وإليها
25.01.2006
حركة حماس تفوز بالأغلبيّة في انتخابات البرلمان الفلسطينيّ التي أجريت في كلَّ من غزّة والضفّة الغربيّة. بعد ذلك بثلاثة شهور، إسرائيل تحظر على العمّال من غزة الدّخول إلى أراضيها وتقتصر المرور عبر معبر إيرز على الحالات الإنسانيّة الاستثنائيّة
26.06.2006
الجنديّ چلعاد شاليط يؤسر على يد منظّمات فلسطينيّة ويتمّ احتجازه في غزّة. بعد يومين من ذلك التاريخ تبدأ عملية "أمطار الصّيف" العسكريّة، حيث يتمّ تنفيذ الاجتياح البرّي العسكري الأول تجاه غزّة بعد "فك الارتباط". وقد تمّ خلال العملية العسكرية قصف محطة توليد الطّاقة في قطاع غزّة
19.09.2007
إسرائيل تعلن عن غزّة باعتبارها "كيانا معاديا" في أعقاب سيطرة حماس على القطاع، كما وتفرض إسرائيل عليه الإغلاق. إسرائيل تتبنى معادلات حسابية لتحديد المستوى الأدنى من الغذاء المطلوب دخوله إلى غزّة من أجل تلافي وقوع أزمة إنسانيّة، وتقوم لفترة معينة بتقليص كميّة الوقود والكهرباء المباعين لغزة، كما وتقوم بتقليص مساحات الصيد لمسافة ثلاثة أميال بحريّة من شواطئ القطاع
27.12.2008
عملية "الرصاص المصبوب" العسكرية. قصف محطة توليد الطّاقة مجددًا. إلحاق أضرار جسيمة بالمساكن والمباني الحكوميّة وبالبنى التحتيّة الخاصة بالكهرباء، الصرف الصحي والماء، بالإضافة إلى مقتل المئات
01.01.2009
إسرائيل تنشر إجراء إداري يحظر على الفلسطينيّين سكان غزة الانتقال إلى الضفّة الغربيّة لغرض لم الشمل
31.05.2010
سيطرة سلاح البحريّة الإسرائيلي على السفينة التركيّة مافي مرمرة تنتهي بمقتل تسعة من ناشطي الأسطول. ضغط دولي وتحقيقات في أعقاب الحادثة. إسرائيل تلغي أغلب التقييدات المفروضة على دخول المنتجات المدنيّة إلى القطاع، باستثناء الأغراض "ثنائيّة الاستخدام"، وتسمح بدخول مواد البناء للمؤسسات الدولية فحسب. بدء عمليات تصدير محدودة من غزّة إلى دول الخارج
10.07.2011
سلاح الجو الإسرائيلي يقوم بقصف نفقٍ في غزّة. على امتداد العام تتصاعد عمليات التهريب عبر الأنفاق بين سيناء وغزة بشكل مكثّف. اتّساع نطاق النّشاط في معبر رفح بشكلٍ كبيرٍ وفتحه لمعظم الوقت من أجل إتاحة مرور سكّان غزّة إلى مصر في أعقاب صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر
14.11.2012
عمليّة "عامود السحاب" العسكريّة. حيث تقوم إسرائيل في أعقاب العمليّة بتوسعة مساحة الصيد إلى ستة أميال بحريّة وتعلن عن نيتها السماح بدخول المزارعين إلى الأراضي التي تبعد حتى مئة عن من الحدود
13.10.2013
اكتشاف نفق إلى جانب كيبوتس عين هشلوشاه وضع حدًّا لفترةٍ قصيرةٍ سمحت فيها إسرائيل بدخول موادّ بناء لصالح القطاع الخاص، وقد جرى حظر دخول هذه المواد بشكلٍ تامّ. ارتفاعٌ حادٌّ في مستويات البطالة. خلال العام نفسه قامت مصر بتدمير معظم الأنفاق من سيناء وإغلاق معبر رفح لأوقات متقاربة
08.07.2014
عملية "الجرف الصامد" العسكريّة، وهي العملية الأكثر دمويةً وتدميرًا من بين العمليات العسكرية في القطاع
26.08.2014
وقف إطلاق النار ينهي العملية العسكرية. إنشاء منظومة الـ GRM ودخول موادّ بناءٍ أكثر إلى غزّة. زيادةٌ طفيفةٌ في إصدار تصاريح الزّيارات العائليّة في الضفّة. في شهر تشرين ثاني يجري إلغاء الحظر المفروض على تسويق البضائع من غزة في الضفّة الغربيّة
01.03.2015
إسرائيل تسمح بتسويق محدود للمنتجات الزراعيّة الآتية من قطاع غزّة في أراضيها لليهود الملتزمين بالسنة السبتية. تم فتح معبر رفح على مدار 32 يوما فقط، غير متواصلة، طيلة العام بأسره
29.03.2016
إسرائيل تفرض حظرًا على دخول الإسمنت للقطاع الخاص في غزّة طيلة شهرين تقريبا. وخلال العام يتمّ إلغاء آلاف تصاريح التجّار لتجار من غزة وبذلك تم منعهم من الدخول إلى كل من إسرائيل والضفّة. تصاعد حالات المنع الأمني
أيّار 2018
منذ أيّار 2018 حتى حزيران 2020، أغلقت إسرائيل 13 مرة المعابر (8 مرات معبر ايرز و5 مرات معبر كرم أبو سالم) وأوقفت دخول البضائع الحيويّة كإجراء عقابيّ. إغلاق معبر كرم أبو سالم أدّى إلى أضرار اقتصاديّة جسيمة تكبّدتها الصناعات، أصحاب المصالح، والمصانع في غزّة، والتي ترزح أصلًا تحت تقييدات الإغلاق الذي تفرضه إسرائيل على القطاع
نيسان 2019
وسّعت إسرائيل المنطقة المسموحة للصيد امام جزء من شواطئ غزّة حتّى 15 ميلًا بحريًّا لأول مرة. المسافة الجديدة متاحة أمام شواطئ ضيّقة نسبيًا في جنوب القطاع. تواصل إسرائيل تقليص مساحة الصيد كإجراء عقابيّ جماعيّ. خلال عام 2019 قلصت إسرائيل مساحة الصيد تسع مرات، بأربعة منها تم فرض إغلاق بحري كامل. في الشهرين الاولين من عام 2020 (كانون ثاني وشباط) تم تغير منطقة الصيد 6 مرات، ومنع أي خروج الى البحر لمدة يومين.
اذار 2020
جائحة الكورونا، في خطوة تم تأطيرها على انها تصدي ضد انتشار فايروس كورونا، أوقفت إسرائيل حركة التنقل عبر معبر ايرز باستثناء عودة الفلسطينيين سكان القطاع، وخروج المرضى الذين يحتاجون الى علاج لإنقاذ الحياة (ليس كورونا). تم تشديد التقيدات أكثر على التنقل في شهر حزيران، بسبب قرار السلطة الفلسطينية بقطع التنسيق المدني بين ممثليها في غزة وإسرائيل، ردا على التصريحات الاسرائيلية بضم أجزاء من الضفّة الغربيّة رسميًّا.

إن التسويق الحاليّ من غزّة إلى الضفّة الغربيّة ولإسرائيل بعيد عن أن يكون كافيًا. منذ فرض الإغلاق في حزيران 2007، وحتّى نهاية العام 2014، خرج بمعدّل 14.7 شاحنة شهريًا من القطاع. في عام 2019 خرج بالمعدل 262 شاحنة شهريا من القطاع. في النصف الأول من عام 2020 خرج بمعدل شهري 316 شاحنة من غزة، حوالي 30 بالمئة فقط من عدد الشاحنات التي خرجت من القطاع قبل فرض الإغلاق، حيث خرج من غزة في حينه 1,046 شاحنة شهريًا. لا تزال منتجات كثيرة ممنوعة من التسويق في الضفة وإسرائيل، ومنها الأغذية المصنعة مثلاً.

في عام 2019 أغلقت إسرائيل أو قيدت عمل معبر كرم أبو سالم، معبر البضائع الوحيد بين إسرائيل وغزة ويقع في جنوب القطاع، لمدة 10 أيام كإجراء عقابي (بالإضافة إلى إغلاق المعبر في الأعياد الإسرائيلية). أُغلق المعبر أحيانًا كعقوبةٍ على إطلاق نار عشوائي على تجمّعات سكانيّة إسرائيليّة، حيث منع هذا الإغلاق دخول المنتجات الإنسانيّة الضروريّة والوقود إلى القطاع لفترات طويلة. كل إغلاق لمعبر كرم أبو سالم يؤدّي إلى أضرار اقتصاديّة تثقل على الصناعات وأصحاب المصالح والمصانع في غزّة، الذين يعانون أصلاً من التقييدات الناجمة عن الإغلاق الذي تفرضه إسرائيل على القطاع. في النصف الأول من عام 2020، تم تقييد عمل المعبر لثلاثة أيام كإجراء عقابي. في آب 2020، منعت إسرائيل مجددًا دخول المحروقات والمواد الأساسية للبناء والصناعة كإجراء عقاب جماعي. بسبب النقص في الوقود، تم وقف عمل محطة الطاقة في قطاع غزة.

بالإضافة إلى التقييدات على حركة البضائع، فإن التقييدات المفروضة على تنقل الأشخاص تمس أيضا بتطوير اقتصاد قطاع غزّة كونها تعرقل تطوّر المصالح التجارية الصغيرة التي تحتاج إلى إمكانيّة إرسال البضائع بكميّات صغيرة من خلال البريد أو الأمتعة الشخصيّة المحمولة، وهي وسائل تمنعها إسرائيل أصلا.

معبر ضيّق

في شباط 2018، بدأ دخول البضائع من مصر إلى قطاع غزّة عن طريق بوّابة صلاح الدين المحاذية لمعبر رفح، وهي خاضعة لسيطرة مدنيّة وأمنيّة لسلطتيّ حماس ومصر. حركة البضائع عبر هذه البوّابة، خاصةً الوقود ومواد البناء منها، أصبحت ذات أهميّة: في عام 2019، دخل عبر صلاح الدين 23 بالمئة من الاسمنت المباع في القطاع و86 بالمئة من غاز الطبخ. في النصف الأول من عام 2020 دخل عبر صلاح الدين 27 بالمئة من الاسمنت المباع في القطاع، وحوالي 77 بالمئة من غاز الطبخ.

ورغم زيادة تنويع البضائع المُمكن دخولها عبر “صلاح الدين”، إلا أن كميّتها لا تزال قليلة مقارنة مع ما يدخل عبر معبر كرم أبو سالم، وعلى أي حال فلا يمكن لهذا المعبر أن يشكّل بديلًا عن كرم أبو سالم، خاصةً وأن حركة البضائع فيه باتجاه واحد. لا يعمل “صلاح الدين” عبر أنظمةٍ منتظمة وشفّافة، وأحيانًا كثيرة يُمنع دخول البضائع بشكلٍ شبيه للمنع الذي تطبقه إسرائيل في معبر كرم أبو سالم.

جمعية "چيشاه-مسلك"
صناديق خيار في طريقها إلى إسرائيل. منذ العام 2015 تسمح إسرائيل بتسويق محدود من الخضار من قطاع غزة في أراضيها. جمعية “چيشاه-مسلك”
جزء 3
الجوّ، البحر، والبر
الجوّ، البحر، والبر
قوارب صيد في غزة. قطاع الصيد أصبح مع الوقت مهنة خطيرة. تصوير: أسماء الخالدي

لا تتوقّف سيطرة إسرائيل على قطاع غزّة عند معابر الأشخاص والبضائع، بل تسيطر إسرائيل على المجال البحريّ والجويّ للقطاع أيضًا. كذلك تفرض إسرائيل “منطقة عازلة” داخل أراضي القطاع. عرض هذه “المنطقة العازلة” 300 مترًا من السياج الفاصل، إلا أنّ الجهات الإسرائيليّة الرسميّة تزعم أنها تسمح للمزارعين بالوصول حتّى 100 متر عن السياج بشرط التنسيق. لم تتمكّن جمعية “ﭼيشاه-مسلك” من العثور على أي إسنادٍ لمثل هذا التنسيق. يظهر بوضوح من محادثات أجريناها مع من يعيشون في المنطقة ويعملون بها أن سكان القطاع غير قادرين على ممارسة حياة عاديّة في تلك المنطقة، ولا زالوا معرّضين لأخطارٍ جسيمة.

بحسب مركز الميزان في غزّة، بين الأعوام 2010 و-2017، سُجلت بمحاذاة السياج نحو 1,300 حادثة إطلاق نار على مزارعين ورعاة وجامعي خردة الحديد ومتظاهرين، وهو إطلاق نارٍ أدّى إلى مقتل ما لا يقل عن 161 فلسطينيّ وإصابة أكثر من 3,000. هذا بالإضافة الى إطلاق الجيش الرصاص الحي على المتظاهرين في الاحتجاجات التي انطلقت في 30 آذار 2018 على الجانب الغربي من السياج بين إسرائيل وغزة. وفقا لبيانات الأمم المتحدة، قتل 214 فلسطينيًا في المظاهرات، من بينهم 46 طفلاً، وأصيب أكثر من 36,100، تقريبا 8,800 منهم اطفال. تقريبا 20 بالمئة من كافة الإصابة كانت نتيجة رصاص حي.

لا تقتصر السيطرة الإسرائيليّة بمحاذاة السياج على إطلاق النار على المزارعين والمواطنين القاطنين في المنطقة. في نهاية العام 2015 اعترف الجيش الإسرائيليّ لأوّل مرّة بما كان معروفًا لسكّان القطاع، أنّه يرش المناطق القريبة من السياج بمبيدات أعشاب من الجو حتّى تبقى المنطقة مكشوفة. في أعقاب جهود قضائية بذلتها “ﭼيشاه-مسلك”، عدالة ومركز الميزان، اعترفت إسرائيل بأنها أجرت بين السنوات 2014-2018 حوالي 30 عملية رش من الجو على طول السياج مع غزة. يظهر من خلال المتابعة والتوثيق الذي تجريه جمعيات حقوق الإنسان أن رش المبيدات هذا يضر بمحاصيل زراعية كثيرة بمسافة تزيد عن 300 متر بكثير، كذلك بمصادر معيشة المزارعين، ويحتمل أنها تضر بصحّة السكان أيضًا، ولا تزال أضرارها على المدى البعيد مجهولة.

في عام 2019، العام الوحيد منذ 2014 الذي لم تقم فيه إسرائيل برش المبيدات من الجو، أفاد حينها المزارعون ورعاة المواشي بأثر إيجابيّ واضح على مجمل الزراعة في المنطقة. لكن في كانون ثاني 2020 قامت الطائرات الإسرائيلية برش مبيدات الأعشاب على طول السياج الفاصل وعرضت حقول زراعية واسعة في المناطق الفلسطينية للخطر. استمرت إسرائيل بهذه الممارسة المدمرة وأعادت الرش في نيسان 2020، في ظل التعامل مع أزمة وباء كورونا، وخلافًا لواجب إسرائيل بحماية الأمن الغذائي لسكان قطاع غزة.

لقد أغلقوا البحر

تقيّد إسرائيل المناطق المتاحة للصيد أمام شواطئ غزّة، وذلك بشكلٍ يحوّل مهنة الصيد إلى مهنة شديدة الخطورة. يتم فرض التقييدات من قبل قوات الجيش البحرية الإسرائيلية من خلال إطلاق النيران التحذيرية أو الحية باتجاه القوارب والصيادين، مما يتسبب في إصابات وأضرار جسيمة للصيادين، والأسوأ من ذلك كله، في كثير من الأحيان، يؤدي إطلاق النيران لخسائر بالأرواح. يتعرّض الصيّادون الذين يرى سلاح البحريّة الإسرائيليّ أنهم خرجوا من المنطقة المسموحة للاعتقال، تُصادر قواربهم وتحتجز من قبل اسرائيل لشهور وأحيانًا حتى لسنوات. لجان الصيادين في غزة تفيد باستمرار عن اعتقالات للصيادين حتى داخل المنطقة المسموحة للصيد. وفقًا لمركز الميزان في غزة، في النصف الاول لعام 2020، سجلت 171 حالات إطلاق نار من قبل البحرية الإسرائيلية باتجاه قوارب صيد من غزة. في أيار 2020، كان هناك تصعيد إضافي في وتيرة العنف وإطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي ضد الصيادين.

وفقًا لاتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1995، يمكن للصيادين في غزة الابتعاد لمسافة تصل إلى 20 ميلاً بحريًا من الشاطئ، الامر الذي لم يتم تطبيقه أبدًا. على مدار السنوات، تتلاعب إسرائيل في التقييدات الشاملة التي تفرضها على المنطقة المسموحة للصيادين، حيث تستخدم إسرائيل بشكل روتيني تقليص منطقة الصيد كإجراء عقاب جماعي. في بداية عام 2019، أعلنت إسرائيل أنّ المساحة المتاحة للصيد ستوسّع حتّى 12 ميل بحريّ في جنوب القطاع، وتبقى ستة أميالٍ بحريّة في شمال القطاع. خلال هذا العام اضيفت مساحة صغيرة يسمح الجيش للصيادين بالإبحار بها حتى 15 ميل بحري من الشاطئ. في الأطراف، في الجنوب والشمال، أقرت إسرائيل مساحة تقدر بميل بحري واحد يمنع فيه الإبحار كليًا. في عام 2019، قلصت إسرائيل منطقة الصيد 9 مرات على الأقل كإجراء عقابي جماعي، بأربعة منها تم فرض إغلاق بحري كامل. واصلت إسرائيل العمل بهذه السياسة أيضا خلال العام 2020.

تقيد إسرائيل، بل وتمنع، دخول المواد اللازمة لإعادة تأهيل القوارب المتضررة من إطلاق النار أو الحوادث في البحر، ويضطر الصيادون إلى تعطيل القوارب المتضررة. أثرت القيود المختلفة بشكل عميق على عمل الصيادين وإمكانيات الربح في هذ القطاع. حيث انخفض عدد العاملين في مجال صيد الأسماك من حوالي 10,000 في عام 2000 إلى حوالي 3,600 في بداية عام 2020.

تمنع إسرائيل بناء ميناء بحريّ يتيح حركة البضائع والأشخاص، ولا تسمح كذلك باستصلاح مطار غزّة الذي دُمّر بالقصف الإسرائيليّ عام 2001.

جزء 4
كهرباء ساكنة
كهرباء ساكنة

قبل تطبيق خطّة فكّ الارتباط بفترةٍ طويلة، عانت غزّة من بنى تحتيّة رثّة لم تتطوّر بشكلٍ يسمح بتزويد كميّة الكهرباء التي يحتاجها سكان القطاع (الحاجة الفعليّة تبلغ بين 450 و-500 ميغاواط). لم تستثمر إسرائيل، بصفتها قوّة احتلال، في البنى التحتيّة الملائمة بل وراكمت الصعوبات أمام صيانتها وتطويرها من خلال نظام تصاريح ومنع صارم. جولات القتال المتتالية، خاصةً تلك الدمويّة عام 2014، أدّت إلى دمار واسع، دهور البنى التحتيّة للكهرباء، الوقود، والماء، والتي لا تكاد تكفي، وأحيانا لا تكفي البتّة، لتلبية احتياجات المجتمع الآخذ بالازدياد في غزّة.

لسنوات طويلة، واجه أهالي غزّة يوميًا انقطاعات مستمرّة للكهرباء. كميّة الكهرباء التي تبيعها إسرائيل ومصر لقطاع غزّة، وما تنتجه محطّة توليد الطاقة الوحيدة في القطاع بنفسها، لا تلبّي نصف الحاجة.

توقفت مصر عن بيع الكهرباء لغزة في شباط 2018. منذ نهاية تشرين أول 2018، عادت محطة الطاقة الوحيدة في قطاع غزة للعمل بشكل أكثر انتظامًا ولإنتاج المزيد من الكهرباء. السولار الذي يشغل محطة الكهرباء ممول من قطر، ويتم شراؤه من إسرائيل. حيث تنتج المولدات الثلاثة التي تعمل في المحطة قرابة 75 ميغاواط، إضافةً إلى كمية الكهرباء التي تُشترى من إسرائيل (120 ميغاواط)، والتي تتدفق عبر خطوط امداد مباشرة. يوفر إجمالي التيار الكهربائي للسكان ما يصل إلى 15 ساعة من الكهرباء يوميًا.

2.05
مليون نسمة
حسب مُعطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
365 كم
مساحة قطاع غزة
الكثافة السكّانية في القطاع من بين الأكثر ارتفاعًا في العالم: 5,154 شخص لكل كيلومتر مربع.
70%
من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية
حسب تقديرات الأمم المُتحدة
45.5%
نسبة البطالة (الربع الأول، عام 2020)
مُقارنةً مع مُعدّل 14.2% في الضفة الغربيّة لنفس الفترة
48%
من السكان دون جيل 18 عام
يشكل الاشخاص الذين تبلغ اعمارهم 65 عامًا وما فوق 3% فقط من سكان غزة
64.2%
نسبة البطالة في أوساط الشباب (الربع الأول، عام 2020)
وصل مُعدّل البطالة عند النساء في الربع الأول لعام 2020 الى 62.1%

تزويد الكهرباء يتغيّر بحسب ظروف الطقس التي تؤثر على استهلاك الطاقة: في ذروة الشتاء والصيف، عندما يزيد استهلاك الطاقة، تقل ساعات الكهرباء المتاحة للسكان. التمويل الخارجي مكّن من صمود البنى التحتيّة العامة كالمستشفيات، المصالح، والبيوت الخاصّة بوضع أفضل من الماضي، إلا أن ذلك لا يوفّر حلًا مستديمًا طويل الأمد.

بالإضافة إلى ذلك، في عدد من الحالات، آخرها في آب 2020، منعت إسرائيل دخول المحروقات إلى محطة الطاقة عبر معبر كرم أبو سالم، وبذلك أضرت بوصل الكهرباء للسكان، وكذلك تنقية مياه الصرف وعمل البنى التحتيّة الحيويّة والمؤسسات.

جزء 5
موقف “چيشاه – مسلك”
تصوير: إدوارو سوطرس خليل
في الصورة، أب (30 عام) لثمانية أطفال، يقبّل ابنته غزة المولودة حديثًا خلال الحرب. فمنذ بداية الحرب يقطن الأب وعائلته في مأوى تابع لوكالة الغوث (أونروا)، وهم أصلًا من حي الشجاعيّة.
تصوير: إدوارو سوطرس خليل

انطلاقًا من سيطرتها الواضحة على العديد من جوانب الحياة في قطاع غزّة، فإن القانون الدوليّ يفرض على إسرائيل واجب السعي من أجل إتاحة حياةٍ طبيعيةٍ لسكّان القطاع، بما يشمل الامتناع عن فرض تقييدات على حركة وتنقل السكّان المدنيين وعلى البضائع غير العسكرية. وإلى جانب هذا الواجب، فإن إسرائيل تحتفظ بحق القرار كيف وأين يتم نقل وتنقل البضائع والأشخاص، كما وأنها تحتفظ لنفسها بحق تحديد الإجراءات الأمنيّة المعقولة والمناسبة لكي تمنع تهريب الوسائل القتالية وتنفيذ النشاطات العسكرية الأخرى. وبناءً عليه، فإن موقف جمعية “چيشاه – مسلك” يتمثل في القول بأن على إسرائيل السماح بتنقل الأشخاص والبضائع، بحيث ممكن أن يساهم ذلك في ازدهار اقتصادي، إلى جانب خلق فرص تسمح بتقدّم الأفراد وتتيح الحياة العائلية الطّبيعية، وكل هذا بشريطة الفحوص الأمنيّة الشخصية.

إن المسؤولية مُلقاة على عاتق إسرائيل في السماح بالتنقل المنتظم للأشخاص والبضائع بين غزّة والضفّة الغربية، وهما اللتان لا تزالان تتشاركان اقتصادًا واحدًا، ومنظومةٍ تعليميةٍ واحدةٍ، ومنظومةً صحيةً واحدةً، وما لا نهاية له من العلاقات العائليّة، والثقافيّة، والتجاريّة، والاجتماعيّة.